ومن جهة أخرى: فإن البحث البلاغي إنما يتعلق بالجملة ومعنى المعنى بحسب نظرية النظم، إذ لا حسن ولا مزية عندهم للفظة منفردة وإنما قيمتها باعتبار علاقاتها مع الألفاظ الأخرى التي تدخل في سياق واحدٍ معها، بعكس ما عليه البحث المعجمي الذي يهتم باللفظ ومعناه مجردًا دائما دون أن يبحث في سياقه.
فالمعجم يهتم بمعنى اللفظ المنفرد بعكس البلاغة التي تهتم بالمعنى داخل النظم؛ لذلك غلب على ما بحثه ابن منظور في لسانه من مباحث علم البلاغة غلب عليه ما كان يرجع إلى اللفظ كالكناية التي يقال عن اللفظة أو اللفظتين أنها كناية عن كذا، وكذلك الاستعارة. وأما ما كان منها متعلقًا ببناء الجملة كرد الأعجاز على الصدور والجناس والطباق فنادرًا ما يذكر في اللسان بل في معاجم اللغة عامة. وإن ذكر بعض ذلك فإنما يكون تعليقًا عارضًا أو إطنابا في إيضاح شاهد
أو تعليقًا على لفظٍ ذكر ولاسيما إن كان في آية أو حديثٍ نبوي قد يتعلق ببيانه معنى الآية
أو الحديث، كما يُرى واضحًا في الكلام عن المشاكلة.
على أن ذلك لا يعني خلو لسان العرب من بحث حسن في المادة البلاغية وإن كان لا يرقى لما هو في البحث العروضي، ويمكن دراسة منهج ابن منظور في البحث البلاغي في لسان العرب من خلال النقاط الآتية:
1.ربما ذكر ابن منظور حد المصطلح مدللا عليه بالمعنى اللغوي لإثبات معناه الاصطلاحي مثل:
الإبهام قال ابن منظور كلام مُبْهَم: لا يعرَف له وَجْه يؤتى منه، مأخوذ من قولهم حائط مُبْهَم إذا لم يكن فيه بابٌ. ابن السكيت: أَبْهَمَ عليّ الأَمْرَ إذا لم يَجعل له وجهًا أَعرِفُه. وإبْهامُ الأَمر: أَن يَشْتَبه فلا يعرَف وجهُه، وقد أَبْهَمه [1] .
(1) (( (( لسان العرب(بهم) .