قال: وقد سمعت هذا من العرب كثيرًا لا أُحصي، وقَلَّت قصيدة ينشدونها إِلا وفيها إِقْواء
ثم لا يستنكِرونه لأَنه لا يكسر الشعر، وأَيضًا فإِن كل بيت منها كأَنه شعر على حِياله. قال ابن جني: أَما سَمْعُه الإِقواء عن العرب فبحيث لا يُرتاب به لكن ذلك في اجتماع الرفع مع الجرّ، فأَما مخالطة النصب لواحد منهما فقليل، وذلك لمفارقة الأَلف الياء والواو ومشابهة كل واحدة منهما جميعًا أُختها؛ فمن ذلك قول الحارث بن حلزة:
فَمَلَكْنا بذلك الناسَ، حتى ... مَلَكَ المُنْذِرُ بنُ ماءِ السَّماءِ
مع قوله:
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أَسْماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْه الثَّواءُ [1]
قال الخليل: إذا كان بيت من الشِّعْر فيه زِحافٌ قيل له مُقْعَدٌ؛ والمُقْعَدُ من الشعر: ما نَقَصَتْ من عَرُوضِه قُوَّة، كقوله:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مالِكِ بنِ زُهَير تَرْجُو النساءُ عَوَاقِبَ الأَطْهارِ؟
قال أَبو عبيد: الإِقواء نقصان الحروف من الفاصلة فَيَنْقُص من عَرُوضِ البيت قُوَّةٌ، وكان الخليل يسمى هذا المُقْعَدَ. قال أَبو منصور: هذا صحيح عن الخليل وهذا غير الزحاف
وهو عيب في الشعر والزحاف ليس بعيب [2] .
كحِبِّي، إذا تَلاقَوا، و ... وُجُوهُ القَوْمِ أَقْرانُ
وأَنتَ الطاعِنُ النَّجْلا ... ءِ منها مُزْبِدٌ آنِ
وفي الكَفِّ حُسامٌ صا ... رِمٌ أَبْيَضُ خَذَّامُ
وقد تَرْحَلُ بالرَّكْبِ، ... فما تُخْنِي لصُخْبانِ
ابن سيده: هكذا رواها الأَخفش كلها مقيدة، ورواها أَبو عمرو مطلقة. قال ابن جني: إذا قيدت ففيها عيب واحد وهو الإكْفاء بالنون والميم، وإذا أَطلقت ففيها عيبان الإكْفاء والإقْواء، قال: وعندي أَن ابن جني قد وهم في قوله رواها أَبو الحسن الأَخفش مقيدة، لأَن الشعر من الهَزَج وليس في الهزج مفاعيل بالإسكان ولا فَعُولانْ، فإن كان الأَخْفش قد أَنشده هكذا فهو عندي على إنشاد من أَنشد:
أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابْ
(1) (( (( لسان العرب(قوا) .
(2) (( (( لسان العرب(قعد) .