الصفحة 53 من 214

فإِنما أَراد: أَيا ابْنة عبدِ الله ومالِكٍ وذي الجَدّين لأَنها واحدةٌ، أَلا تَراهُ يقول صنعتِ ولم يَقُلْ صنعتُنَّ؟ فإِذا جازَ هذا في المضاف والمضاف إِليه كان في الصِّلَةِ والموصولِ أَسْوَغَ، لأَنَّ اتِّصالَ الصِّلَةِ بالموصول أَشدُّ من اتصال المضافِ إِليه بالمُضاف؛ وعلى هذا قول الأَعرابي وقد سأَله أَبو الحسن الأَخفشُ عن قول الشاعر:

بَناتُ وَطَّاءٍ على خَدِّ اللَّيْل

فقال له: أَين القافية؟ فقال: خدّ الليلْ؛ قال أَبو الحسن الأَخفش: كأَنه يريد الكلامَ الذي

في آخر البيت قلَّ أَو كَثُر، فكذلك أَيضًا يجعل ما تَرَى وما تَرَى جميعًا القافية، ويجعل ما مَرَّةً مصدرًا ومرة بمنزلة الذي فلا يكون في الأَبيات إِيطاء؛ قال ابن سيده: وتلخيص ذلك أَن يكون تقديرها أَما تراني رجلًا كُرؤْيَتِك أَحمل فوقي بزتي كمَرْئِيِّك على قلوص صعبة كعِلْمِكَ أَخاف أَن تطرحني كمَعْلُومك فما ترى فيما ترى كمُعْتَقَدِك، فتكون ما ترى مرة رؤية العين، ومرة مَرْئِيًّا، ومرة عِلْمًا ومرة مَعلومًا، ومرة مُعْتَقَدًا، فلما اختلفت المعاني التي وقعت عليها ما واتصلت بها فكانت جزءًا منها لاحقًا بها صارت القافية وما ترى جميعًا، كما صارت في قوله خدّ الليل هي خدّ الليل جميعًا لا الليل وحده؛ قال: فهذا قياس من القوّة بحيث تراه، فإِن قلت: فما رويّ هذه الأَبيات؟ قيل: يجوز أَن يكون رَوّيها الأَلفَ فتكون مقصورة يجوز معها سَعَى وأتى لأَن الأَلف لام الفعل كأَلف سَعَى وسَلا، قال: والوجه عندي أَن تكون رائِيَّة لأَمرين: أَحدهما أَنها قد التُزِمَت، ومن غالب عادة العرب أَن لا تلتزم أَمرًا إِلا مع وجوبه، وإِن كانت في بعض المواضع قد تتَطوَّع بالتزام ما لا يجب عليها وذلك أَقل الأَمرين وأَدْوَنُهما، والآخر أَن الشعر المطلق أَضعاف الشعر المقيد، وإِذا جعلتها رائية فهي مُطْلقة، وإذا جعلتها أَلِفِيَّة فهي مقيدة، أَلا ترى أَن جميع ما جاء عنهم من الشعر المقصور لا تجد العرب تلتزم فيه ما قبل الأَلف بل تخالف ليعلم بذلك أَنه ليس رَوِيًّا؟ وأَنها قد التزمت القصر كما تلتزم غيره من إِطلاق حرف الروي، ولو التزمت ما قبل الأَلف لكان ذلك داعيًا إِلى إِلْباس الأَمر الذي قصدوا لإِيضاحِه، أَعني القصرَ الذي اعتمدوه، قال: وعلى هذا عندي قصيدة يزيدَ بنِ الحَكَم، التي فيها مُنْهَوي ومُدَّوي ومُرْعَوي ومُسْتَوي، هي واويَّة عندنا لالتزامه الواو في جميعها والياءاتُ بعدها وُصُول لما ذكرنا [1] .

ومما اتفق لفظه واختلف معناه فلم يكن إِيطاءً قولُ بعض المولّدين:

يا طِيبَ لَذَّةِ أَيامٍ لنا سَلَفَتْ ... وحُسْنَ بَهْجَةِ أَيامِ الصِّبا عُودِي

(1) (( (( لسان العرب(راي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت