فهرس الكتاب
…الموقف الثالث: أنَّ الشدائد - مهما تعاظمت وامتدَّت - لا تدوم على أصحابها ، ولا تُؤبَّد على مُصابها . بل إنها أقوى ما تكون اشْتدادًا وامْتدادًا واسْودادًا ، أقربُ ما تكون انْقشاعًا وانْفراجًا وانبلاجًا ، عن يُسْرٍ وملاءة ، وفرجٍ وهناءة ، وعاقبةٍ مُشرقةٍ وضَّاءة ، فيأتي العون من الله والإحسان ، عند ذروة الشِّدة والامتحان ، وهكذا نهاية كلِّ ليلٍ غاسق: فجْرٌ صادق .
…قال ابن الدَّاية - يرحمه الله -:"وقد علم الإنسان أنَّ سُفور الحالة - أي: انْكشاف الغُمَّة والشِّدَّة - عن ضدِّها ، حتْمٌ لابد منه ؛ كما عُلم أنَّ انْجلاء الليل يُسْفر عن النهار . ولكنَّ: خورَ الطَّبع أشدُّ ما يُلازمُ النَّفْس عند نزول الكوارث ؛ فإذا لم تُعالج بالدواء اشتدَّت العلة ، وازدادت المحْنة ؛ لأنَّ النَّفْس إذا لم تُعَنْ عند الشَّدائِد بما يُجدِّد قُواها ، تولِّى عليها اليأْسُ فأهلكها" (1) .
الوقفة الثانية: وإذا قيل لهم لا تُفْسدوا في الأرض
قالوا إنَّما نحن مُصْلحون .
…إنَّ المتفقِّد لحالِ أُمَّة الإسلام ليرى عجبًا ! كيف صارت وأصْبحت لأعدائها ذنبًا ؟
…فمعالم الإسلام فيها غدتْ أثرًا بعد عين ، وشعائِر الدِّين ضاعت بين اللاَّهين واللاَّعبين . طار الكُفْر بها إلى أكثر من كَفْر ، وعمَّت البدْعة أكثر من رُقْعة ، وأُقيمت المحارم مقام المكارم . نساؤنا عفيفات إلاَّ في التبرُّج ، ماهراتٌ لكن في التَّغنُّج ، وشبابُنا ارْتضع من لبان كلِّ شهوة ، وبئْست المُرضعة ! وضاعوا بين أقدام كُلِّ شُبْهة ، يالتعاست الضيْعة ! وإلى الله وحده ، نشكوه ضعْف الإسلام وجَهْدَه .
…ومِنْ أبناء قومي مَنْ تَردَّى * تردَّى في الحياة وفي المماتِ
…يقوم الليل لكن في ضياعٍ * يُقلِّب من قناةٍ في قناةِ
…ويسْتجدي اليباب بكُلِّ وادٍ * ويسْتهدي الغوى والمُغْرياتِ
(1) - انظر: ( المكافأة وحسن العقبى ) ، [105 ، 106] .