فهرس الكتاب
…الوجه الثاني: جريان عادة العلماء بذكْر الخلاف في مجالسهم ، واسْتيعاب الأقْوال في مدارسهم ؛ إذ هو عنوان العلم وأهله . فهذا أبو يعْقوب الشُّرَيطي يتصدَّر في مجْلس داود الظاهريِّ ، وكان مجْلسًا مُخْتنقًا بالمئات من أهل العلم وطلبته ، ثم يُسْأل عن الحجامة ؛ فيُجيب عن ذلك ذاكرًا الأحاديث وطُرقها ، واخْتلاف الفقهاء ، وأقوال الأطبَّاء ، حتَّى أفاد من كان حاضرًا (1) .
…الوجه الثالث: أنَّ العلم بالخلاف ومعرفتَه سُلَّمٌ إلى التمكُّن في الفقه ، وقَنْظرةٌ إلى التأهُّل للفتوى ؛ فلن يبلغهما إلاَّ من كان للاخْتلاف حافظًا ، وللأقوال ضابطًا . قال الشَّاطبيُّ - رحمه الله -:"ولذلك جعل الناسُ العلم معرفة الاخْتلاف ؛ فعن قتادة: ( من لم يعرف الاخْتلاف لم يَشُمّ أنْفهُ الفقه ) ، وعن هشام بن عُبيدالله الرازي: ( من لم يعرف اخْتلاف القراءة فليس بقارئ ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه ) ، وعن عطاء: ( لا ينبغي لأحدٍ أن يُفْتي الناس حتَّى يكون عالمًا باخْتلاف الناس ، فإنَّه إن لم يكن كذلك ردَّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ) ، وعن أيُّوب السختياني وابن عيينة: (أجْسر الناس على الفُتْيا أقلُّهم علْمًا باخْتلاف العلماء ) . زاد أيُّوب: (وأمْسك الناس عن الفُتْيا أعلمهم باختلاف العُلماء ) " (2) .
(1) - انظر: ( تاريخ بغداد . للخطيب البغدادي ) ، [14/408] .
(2) - انظر: ( المُوافقات ) ، [5/122 ، 123] .