فهرس الكتاب
…2) بل رُبَّما يبْلغ المرءُ مرْتبة الاجتهاد قبل البلوغ ، إلاَّ أنَّه لا يُعْتمد قوله حتَّى يبلغ . قال أبو المعالي الجُويني:"يُشترط أن يكون المُفْتي بالغًا ؛ فإنَّ الصبيَّ - وإن بلغ رُتبة الاجتهاد ، وتيسرَّ عليه درْك الأحكام - فلا ثقة بنظره وطلبه ، فالبالغ هو الذي يُعتمد قوله" (1) .
…3) وقال الأُسْتاذ أبو منصور التَّيمي:"اعلم: أنَّ للنَّظر والاسْتدلال وقتين:"
…أحدهما: وقت جواز وإمكان .
…والثاني: وقت وجوبٍ وإلزام .
…فوقْت الجواز: عند كمال العقل والتَّمييز بين المضارِّ والمنافع ، وإمكان الاستدلال بالشاهد على الغائِب ؛ سواءٌ كان الموصوف بها بالغًا ، أو غير بالغ ؛ ولهذا ترى كثيرًا من الصِّبيان يعرفون دقائِق العلوم النَّظريَّة ، وغوامض المسائل في النحو والتَّصريف والعروض والدَّوْر والوصايا والفرائِض وغيرها ممَّا لا يعرفه البالغون المُجْتهدون فيها .
…وأمَّا وقت وجوب النَّظر والاجتهاد: فعند البلوغ وكمال العقل" (2) ."
…الوجه الثاني: إبْطال هذه الدَّعوى من حيث النظر إلى الواقع ؛ فإنَّ من نظر في سير العلماء والمجتهدين ، يجد كثيرين منهم قد حازوا الأهليَّة مع صغر سنٍّ ، وتصدَّروا للفتْوى والقضاء والتَّدريس في وقتٍ مُبكِّر ؛ فلم يمْنعهم من ذلك قِصَرُ قامة ، ولا قلَّة شعْر لحْيٍ ، ولا نُعومة أظْفار .
…بل تصدروا المناصب والمنابر ، واعْتلوا على الأصاغر والأكابر ؛ وما ذلك إلاَّ بالعلم ، لا غير !
…وهذه أمثلة تُصوِّر الواقع الذي حكيْناه آنفًا ، وتُدلِّل عليه في أكثر من جانب:
(1) - انظر: ( البُرهان ) ، [2/869] .
(2) - انظر: ( الرد على من أخلد إلى الأرض . للسيوطي ) ، [157 ، 158] .