فهرس الكتاب
…وأما الثاني: فهو أن يكون حاسدًا مخذولًا وموزورًا ، حاقدًا مغْمومًا ومهجُورًا ، حمله الحسدُ على غاية القسْوة ، وبلغ به أقصى حدودِ العُقوق ، فأنْساه جميع الحُقوق ؛ إذْ ما خالط الحسدُ قلْبًا إلا لم يُمْكنه ضبْطُه ، ولا قدر على تسْجينه وكتْمانه ، حتَّى يتمرَّد عليه بظهوره وإعلانه ،"فهو الفحْل القَطِم (1) ، والسَّيل العرم ؛ إن مَلَكَ قتل وسبى ، وإن مُلِك عصى وبغى . حياتُك موته ، وموتك عُرْسه وسرورُه ، يُصدِّق عليك كُلَّ شاهدِ زور ، ويُكذِّب فيك كلَّ عدْلٍ مرْضيّ ، لا يُحبُّ من الناس إلاَّ من يُبغضك ، ولا يُبْغض إلاَّ من يحبُّك . عدوُّك بطانة ، وصديقُك علانية" (2) .
…وإنَّ من يطلب رضى مثلِ هذا اللَّجِج ، أو يسعى في إقناعه بمختلف الحجج ؛ كمن يطلب أثرًا بعد عين ، أو عطرًا بعد عروس ، أو يريد أن يجني عنبًا من شوك ، أو يلتمس حلب لبن من حائل . قال معاوية - رضي الله عنه-:"كل الناس يمكنني أن أرضيه إلا الحاسد ، فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي!" (3) .
…إن سألوا عن مذهبي لم أبُح به * وأكتمه كِتمانه لِيَ أسلمُ
…فإن حنفيًا قلتُ قالوا بأنني * أبيح الطِّلا وهو الشراب المحرمُ
…وإن مالكيًا قلتُ قالوا بأنني * أبيح لهمُ الكلاب وهمُ همُ
…وإن شافعيًا قلت قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنت تحرمُ
…وإن حنبليًا قلت قالوا بأنني * ثقيل حلولي بغيض مُجَسِّمُ
…وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدري ويَفْهمُ
…تعجبت من هذا الزمان وأهله * فما أحد من ألسن الناس يسلمُ
…وأخّرني دهري وقدّم معشرًا * على أنهم لا يعلمون وأعلمُ
(1) - أي: شهوانُ للحم . انظر: ( مختار الصحاح . للرازي ) ، [478] .
(2) - تضمين من: ( رسائل الجاحظ ، والتي اختارها الإمام عُبيدالله بن حسَّان ) ، [3/18] .
(3) - انظر: ( محاضرات الأدباء . لأبي القاسم الأصبهاني ) ، [1/53] .