فهرس الكتاب
…إنَّ ما اتُّهِم به شيخنا وأُلْصق به - وهو منه براء - وكلَّ ما يقوله أو يتقوَّله هؤلاء السفهاء: لن يفُتَّ من عزيمة من كان للعلم عنه آخذًا ، ولن يزيد شيخنا إلاَّ عزًّا شامخًا ؛ إذ هاهي الشُّبه قد زهُقت ، وهاهي الحقائق لمريدها قد ظهرت ، ولم يبق بعد هذا مأْخذٌ لمن كان ناقدًا ، إلا أن يكون حاقدًا أو حاسدًا .
…أعرض عن الجاهل السَّفيه * فكلُّ ما قال فهو فيه
…ما ضرَّ نهر الفُرات يومًا * أن خاض بعضُ الكلاب فيه
…ثم إن كُلَّ من عرف شيخنا وسمع عنه ، أو كان ممَّن يتلقَّى العلم منه: الكلُّ يعْلم علْمًا لا حركة للشَّكِّ فيه ، أنَّه لا مناص عن الطَّعن في أحدٍ لوُجود مُخالفيه ؛ إذْ لم يسْلم من ذلك كاملٌ ولا مُقصِّر ، ولم يخْلُ من ذلك عصْر ولا قطْر . لكن العبْرة: بحقيقة الحال ، لا بما تسمع من قالاتٍ وأقوال .
فلن يضير ذلك من دَرَسَ على شيخنا ولو دروسًا يسيرة ؛ لما عَرَفَ عنه من سلامة الطويَّة وحُسْن السِّيرة . قال مُطرِّف بن عبدالله:"قال لي مالك: ما يقول فيَّ الناسُ ؟ قلت: أمَّا الصديق فيُثني ، وأما العدوُّ فيقع . فقال: ما زال الناس كذلك ، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلِّها" (1) .
…وإلى كُلِّ من بلغته هذه المُخالفة المُتخلِّفة ؛ سواء كان ممَّن يعرف شيخنا أو ممَّن لا يعرفه: نقف مع الجميع ثلاثة مواقف مهمة ، تُزيل الشكَّ عمَّن افتُتن بهذه النَّازلة المُدْلهمَّة:
…الموقف الأول: أنَّ فرحنا بوجود المُخالف أعظمُ من فرحنا بعدمه ، ولَعلَّك من ذلك تعجب !
…ولكني أقول: إذ إنَّ في وجود المُخالف دليلًا لا أصدق منه ، على أنَّ من خُولف ممَّن يُعتدُّ به . ولو لم يكن كذلك لما أشغل المخالفُ به نفْسَه ، وأفْنى جهده وكدَّ نفَسَه . كيف: إذا كان من خُولف عنده العلم الوافر ، والبحر الزاخر ، ولديه القول الواضح والعقل الرَّاجح .
(1) - انظر: ( حلية الأولياء ) ، [6/321] .