وغاية مطلوبة يُحْمَدُ عليها أكملُ ممن يفعل لا لشيء البتة، كما أن مَنْ يخلق أكملُ ممن لا يخلق، ومَنْ يعلم أكملُ ممن لا يعلم، ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يقدر ويريد أكمل ممن لا يتصف بذلك، وهذا مركوز في الفطر مستقر في العقول.
فنفي حكمته وأن يكون له مقصد في الأحكام، بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه، وذلك يستلزم وصفه بأضدادها وهي أنقص النقائص. [1]
الدليل الثاني:
من المعلوم لدى كل عاقل أن الله راعى مصالح عباده في مبدئهم، ومعاشهم حيث أوجدهم من العدم، وسخر لهم النعم وامتن عليهم بذلك كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] .
ـ 119 ـ
وقوله: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] .
وفصل ذلك في قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ... } الآيات [النبأ: 6 وما بعدها] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ & الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ& } [الانفطار: 6، 7]
إذا عُرِفَ ذلك فمن المحال أن يراعي الله عز وجل مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أعم فكانت بالمراعاة أولى ولأنها أيضا من مصلحة معاشهم إذا بها صيانة أموالهم ودمائهم وأعراضهم ولا معاش بدونها، فوجب القول بأنه راعاها لهم. [2]
(1) انظر: شفاء العليل ص 429.
(2) رسالة الطوفي، ملحقة بالمصلحة في التشريع ص 215 وما بعدها.