فهرس الكتاب
وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف، وتدوين العلم، وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تكن من النوازل في زمانه، ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال.
الضرب الثاني: ما سكت عنه مع قيام موجبه المقتضي له فهذا الضرب، السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعهنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك، بدعة زائدة ومخالفة لقصد الشارع، إذْ فُهِمَ من قصده الوقوفُ عندما حَدَّ هنالك، بدون زيادة أو نقصان. وهذا أصل عظيم يفرق به بين البدع والمصالح المرسلة وغيرها مما قد يلتبس على بعض الناس فترى بعضهم يجعل البدعة من قبيل المصالح المرسلة، وآخر يجعل المصالح المرسلة من قبيل البدعة، وكلا الفريقين قد ضل سواء السبيل.
ولست هنا بصدد بيان حقيقة البدعة، وإنما أشرت إلى ذلك لأبين أن البدعة قد قام مقتضاها في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعلها ولم يأمر بها وهو أخشى الناس وأتقاهم لله وأنصحهم لهذه الأمة فما ترك من خير إلا ودلهم عليه ولا شر إلا وحذرهم منه.
والمقصود أن ما سكت عنه الشارع مع قيام مقتضاه فمقصود الشارع عدم مشروعيته.
قال شيخ الإسلام: (والترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله ...
ـ 174 ـ