فهرس الكتاب
بأن هذا الخلاف بالنظر إلى الجواز العقلي لا بالنظر إلى الواقع وإلا فالشرائع السابقة كما ظهر لنا مُجْملُها من نصوص الكتاب المبين قد روعيت فيها مصالح العباد بالنظر لذلك الزمان قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] .
ـ 184 ـ
الثاني: أن مقتضى ما ذكروه هنا أن الخمر وغيرها من المسكرات كانت محرمة في الشرائع السابقة كالزنا والقتل مع أنها ليست كذلك فإن المعروف أنها كانت مباحة في الشرائع السابقة، بل كانت مباحة في صدر الإسلام ثم حرمت في السنة الثالثة بعد غزوة أحد [1]
وأجيب:
بأن الكثير المسكر كان محرمًا في كل ملة، ولم يبح قط في ملة من الملل وإنما أبيح القليل الذي لا يسكر. قال الغزالي: (ومن هذا الفن ـ عطفًا على ما سبق ـ تعليلنا تحريم شرب الخمر بكونه مفسدًا للعقل الذي هو ملاك أمور الدنيا والدين، فهذا ـ أيضًا ـ مما لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مُهِّدَ بِسَاطُه لرعاية مصلحة الدين والدنيا؛ فلم تشتمل ملة قط على تحليل مسكر، وإن اشتملت على تحليل القدر الذي لا يسكر من جنس المسكر) .
وردّ هذا:
بأن الخمر كانت مباحة وإباحتها ثابتة بقوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] .
(1) انظر البحر المحيط: 5/ 209، وتفسير ابن كثير 2/ 84.