فهرس الكتاب
فبهذا يظهر أن الحكم بغير ما أنزل الله وإقصاء الدين عن الحياة [1] وتنظيمها إحلال للأهواء، والآراء الشخصية محل دين وحكمه، وأيّ تضييع للدين أعظم من هذا؟ وأي جناية عليه أكبر من هذه؟.
فالحكم بالدين يحقق حفظه من عدة وجوه:
1 -أن الحاكم به يحفظ الدين في خاصة نفسه لأن الله عز ول نفى الإيمان عمن لم يحكم بما أنزل الله ووصفه بضده وهو الكفر [2] فقال تعالى:
ـ 198 ـ
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
2 -أنه يحفظ الدين في مجتمعه وذلك بإظهار أحكام الإسلام وشعائره وإقامة حدوده، وجعله مهيمنًا على الحياة كلها مما يتناسب مع طبيعة هذا الدين ومقاصده، ومن المعلوم ما يحققه ذلك من حفظ للدين، بترسيخ مفاهيمه في النفوس، وتحقيق مقاصده من العلد وتحقيق المصالح ودرء المفاسد.
3 -أن الحكم بالدين وتطبيق أحكامه يسد الباب على أهل الأهواء المنحرفة والمذاهب الهدامة والأفكار الضالة، ويمنعهم من نشر مبادئهم وإظهار أمرهم، لأنهم إذا
(1) هذا ما يعرف في العصر الحديث بالعلمانية، انظر عنه بتوسع في الكتب التالية: (تهافت العلمانية للدكتور/ عماد الدين خليل، والعلمانية للدكتور سفر الحوالي، ومجالات انتشار العلمانية لمحمد زين الهادي، وفصل الدين عن الدولة لإسماعيل الكيلاني) .
(2) قال شارح الطحاوية: (وهنا أمر يجب التفطن له وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله، قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة ... وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص، ويسمى كافرًا مجازيًا أو كفرًا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده .. وخطؤه مغفور) شرح الطحاوية 2/ 45. وانظر تحكيم القوانين للشيخ محمد إبراهيم ص 2 وما بعدها.