فهرس الكتاب
2 -أن في القصاص شفاءً لغيظ المجني عليهم وإرضاءً لهم، لأن من طبيعة النفوس الحَنَق [1] على من يعتدي عليها عمدًا فتندفع إلى الانتقام، وهو انتقام لا يكون عادلًا أبدًا، لأنه صادر عن حنق وغضب تختل معهما الروية وينحجب بهما نور العدل فإن وجد المجني عليه أو أنصاره مقدرة على الانتقام لم يتأخروا عنه وإن لم يجدوها طووا كَشْحًا [2] على غيظ حتى إذا وجدوا مُكْنَةً بادروا إلى الفتك، وربما تقع بينهم حروب لا تنتهي إلا بقتل الآلاف من الناس وربما لا تنتهي الثارات والجنايات ولا يستقر حال نظام الأمة [3] وأكبر دليل على ذلك واقع الجاهلية الأولى حيث كانت الحروب تثور بينهم لقتل شخص واحد ثم لا تنتهي إلا بعد سنين بعد أن تأكل الأخضر واليابس، وكذلك واقع الجاهلية المعاصرة التي نبذت الأحكام الشرعية واستبدلت بالقصاص غيره من الأحكام فعدم الاستقرار فيها مما لا ينكره أحد، لذا شُرع القصاصُ من الجاني، وتسليمُ القاتل إلى أولياء الدم تحت نظر الحاكم الشرعي خوفًا من الحيف والتمثيل به قال تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .
فبتسليم القاتل إلى أولياء المقتول ليقتلوه كما قَتَلَ صاحبَهم يذهب ما بنفوسهم من حَنَق وغيظ ويحصل الاكتفاءُ به دون غيره.
وقد أشار الفقهاء رحمهم الله إلى هذا فقالوا: (إن ولي الدم متى أحسن الاستيفاء بالقوة والمعرفة مُكِّنَ منه وإن لم يحسن الاستيفاء بنفسه لضعف بدنه، أو لضعف قلبه، أو لقلة هدايته إليه فإنه يؤمر بتوكيل غيره لأنه عاجز عن استيفاء حقه [4] .
(1) الحنق: الغيظ (المصباح المنير: 1/ 154)
(2) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف (المصباح المنير: 2/ 534) وقد استعير هنا لما يحملونه من غيظ.
(3) انظر: مجموع الفتاوى: 28/ 374، وإعلام الموقعين: 2/ 714 وفي ظلال القرآن: 1/ 165 ومقاصد الشريعة لابن عاشور ص 206.
(4) انظر: المغني لابن قدامة: 11/ 516، وبدائع الصنائع: 7/ 264.