وأما الشاطبي فلم يذكر تعريفا للمقاصد مع كثرة عنايته بها، ودقيق فهمه لها [1] . إذا علم ذلك، فإنه يبقى البحث في تعريف المقاصد في كتب المتأخرين، الذين كتبوا في هذا الموضوع أو في أصول الفقه عمومًا وفيما يلي ذكر ذلك:
1 -قال ابن عاشور [2] : (مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة) [3] .
ـ 34 ـ
ثم قال: (فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضا معانٍ من الحِكَمِ ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها) [4] .
وهذا التعريف خاص بالمقاصد العامة للشريعة كما هو واضح، فيكون من هذه الحيثية غير صالح لتعريف المقاصد بمعناها العام الشامل للمقاصد الخاصة والعامة، لذا عرّف ابن عاشور المقاصد الخاصة بقوله: (هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة إبطالًا عن غفلة او استزلال هوى وباطل شهوة) [5] .
(1) ذكر الريسوني: أن السبب في عدم ذكر الشاطبي للتعريف هو أنه اعتبر الأمر واضحًا. وأيضًا لكونه كتب كتابه للعلماء بل للراسخين في علوم الشريعة، كما نبه على ذلك في مقدمته انظر: نظرير المقاصد عند الشاطبي ص 5.، وفي نظري: أن هناك سببًا آخر وراء عدم ذكر الشاطبي لتعريف المقاصد وهو أن الشاطبي يتبنى منهجًا خاصًا في الحدود ولا يرى الإغراق في تفاصيل الحدود بل يرى أن التعريف يحصل بالتقريب للمخاطب، وه قد فعل ذلك بما ذكره من أقسام وأمثلة. انظر: الموافقات: 1/ 56 وما بعدها.
(2) هو محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتيين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه عين عام 1932م شيخًا للإسلام مالكيًا، له مصنفات منها: مقاصد الشريعة الإسلامية، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، والوقف وآثاره في الإسلام، توفي سنة 1393هـ. انظر ترجمته في: الأعلام: 6/ 174.
(3) مقاصد الشريعة: ص 51.
(4) مقاصد الشريعة: ص 51.
(5) المرجع السابق ص 146.