توطئة:
من المهم لدارسِ أيِّ فَن أن يكون لديه فكرة عن نشأة ذلك الفن وتاريخه، حتى يتصور المراحل التي مَرَّ بها، والرجال الذين ساهموا في إخراجه وإبرازه، ومن ثمّ رأيتُ أن أذكر في هذا الفصل طَرَفًا من تاريخ مقاصد الشريعة وذلك من خلال المبحثين التاليين:
المبحث الأول: في تاريخ المقاصد قبل تَمَيُّزِها في المؤلفات الأصولية.
المبحث الثاني: في تاريخها بعد تَمَيُّزِها في المؤلفات الأصولية.
ـ 40 ـ
المبحث الأول
في تاريخ المقاصد قبل تَمَيُّزِها في المؤلفات الأصولية
مقاصد الشريعة الإسلامية كغيرها من العلوم الشرعية الأخرى، لم تظهر إلى الوجود دفعة واحدة، ولكنها مرّت بمراحل متتابعة حتى وصلت إلى مرحلة التدوين والتبويب بالصورة المعهودة الآن، والمتتبع لتاريخ مقاصد الشريعة قبل ظهورها وتميزها في المباحث الأصولية يجد أن هناك بعض القواعد المقاصدية المقررة في الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وكتب العلماء وبيان ذلك من خلال الأمور التالية:
-الأمر الأول: أن مقاصد الشريعة اقترنت بمجيء النصوص الشرعية من الكتاب والسنة فقد جاء في القرآن بيان بعض مقاصد الشريعة وكذلك في السنة.
أما في القرآن فمثل قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] ، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقوله: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء: 28] .