الصفحة 61 من 550

رحمه الله ـ قد أسهم إسهامًا كبيرًا في إبراز هذا العلم، وإظهاره بقواعده وأقسامه وأحكامه، حيث خصص له جزءًا من كتابه (الموافقات) وكان قبل ذلك مغمورًا ضمن مؤلفات العلماء يتعرضون له أثناء كلامهم عن القياس أو المصلحة، وربما لا يتفطن له إلا مَنْ كان له عناية بعلم أصول الفقه.

فلما أظهره الشاطبي وأبرزه بتلك الصورة عرفه الأصوليون وغيرهم حتى ظن بعض الناس أن الشاطبي قد ابتدع هذا العلم وجاء به من تلقاء نفسه [1] وليس الأمر كذلك بل سبق ذلك مراحلُ آخِذٌ بعضُها برقاب بعض حتى انتهت إلى أبي إسحاق الشاطبي؛ ففتح من هذا العلم مغلقه، وحل مُشْكِلَه، وفصَّلَ مُجْمَلَه، وبسط مسائله، وشرح قواعده، ورتب أبوابه، وأضاف له إضافات حسنة، والشاطبي في ذلك متأثر بمن سبقه من العلماء لا سيما الغزالي والعز بن عبد السلام وتلميذه القرافي.

بالإضافة إلى ما في المذهب المالكي من أمور متعلقة بالمقاصد: كسد الذرائع، والمصلحة المرسلة [2] كل هذا شكل اهتمامًا للشاطبي بمقاصد الشريعة وعناية بها، وأسعفه بمادة ثرة من المعلومات عنها، هذا بالإضافة إلى اهتمام شيخه المقّري [3] بهذا الجانب فقد نبه في كتاب (القواعد) على شيء من ذلك. [4]

ـ 68 ـ

(1) انظر: الشاطبي ومقاصد الشريعة ص 131، وما بعدها.

(2) انظر: نظرية المقاصد عند الشاطبي ص 295 وما بعدها وص 298.

(3) هو: محمد بن أحمد بن بكر بن يحيى القرشي المقَّري يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس فقيه مالكي، لقي أجلاء منهم: أبو حبان والشمس الأصبهاني وابن عدلان بمكة، وابن القيم بدمشق، وآخرين وأخذ عنه الشاطبي وابن الخطيب التلمساني، وابن خلدون وغيرهم. له مصنفات منها: القواعد، توفي سنة 759 هـ في محرم أو في ذي الحجة. انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص 288، ونيل الابتهاج ص 249، وما بعدها.

(4) من ذلك (تغليب المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة) القواعد 1/ 294، (والأصل في الأحكام المعقولية) 1/ 296، (والأصل في العبادات ملازمة أعيانها) 1/ 297، (واعتبار المشقة واختلافها) 1/ 327 (وسقوط اعتبار المقاصد يسقط اعتبار الوسائل) 1/ 329، (ومراعاة المقاصد مقدم على مراعاة الوسائل) 1/ 367، (وسيلة المحرم قد تكون غير محرمة) 2/ 394، (ضبط المصالح العامة) 2/ 429 (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) 2/ 443، وفي الحقيقة أن كثيرا مما ذكره موجود عند من تقدمه، ومقصودي هنا أن أبين أنه مهتم بهذا الجانب حتى وإن نقله عن غيره وذلك كافٍ في عرض ذلك على طلابه ولفت نظرهم إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت