الصفحة 75 من 550

وإلى نحو هذا التفسير ذهب زكريا الأنصاري. [1]

وهذا الجمع المذكور، كأنه جاء نتيجة لاصطدام نفاة التعليل بواقع النصوص حيث وجدوها جاءت لمصالح العباد ولحِكَمٍ باهرةٍ ومقاصد ظاهرة كما صرح بذلك ابن رحال كما تقدم حيث قال: (وإنما نقول رعاية هذه المصالح أمر واقع في الشرع) . [2]

غير أن ما اعترفوا به هنا عائد على مذهبهم بالبطلان لأنهم: إما أن يقولوا: إن هذه المصالح المترتبة على الأحكام مقصودة أو غير مقصودة فإن قالوا: إنها مقصودة وأن الله شرع الأحكام لأجلها فقد اعترفوا بما أنكروه سابقا).

وإن قالوا: إنها غير مقصودة فقد سلبوا الحكيم حكمته حيث أبطلوا معنى الحكمة لأنه لا يقال لفائدة أعقبت فعلًا من غير قصد حكمة وإلا لَوسِمَ بذلك الحيوانُ الأعجمُ وطِئَ حيةً قصدت نائمًا. [3]

قال ابن القيم:(فإن ما في خلق الله وأمره من الحِكَمِ والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطرة والعقول ولا ينكره سليم الفطرة، وهم ـ يعني النفاة ـ لا ينكروه ذلك وإنما يقولون: وقع بطريق الاتفاق لا بالقصد، كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذٍ تحتها فتهلكه، ولا ريب أن هذا ينفي حَمْدَ الرب سبحانه على حصول هذه ...

ـ 89 ـ

المنافع والحكم، لأنها لم تحصل بقصده وإرادته، بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه، ولا يثنى عليه، بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى رجل درهما لا لغرض ولا لفائدة بل بمجرد قدرته ومشيئته على طرحه فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به فهذا من شأن الحِكَمِ والمصالح عند المنكرين). [4]

وقال محمد عبده: [5] (حكمة كل عمل ما يترتب عليه مما يحفظ نظامًا، أو يدفع فسادًا خاصًا كان أو عامًا لو كُشِفَ لعقلٍ من أي وجه لعقله وحكم بأي العمل لم يكن عبثًا ولعبًا ومن يزعم للحكمة معنى لا يرجع إلى هذا حاكمناه إلى أوضاع اللغة وبداهة العقل ولا يسمى ما يترتب على العمل حكمة، ولا يتمثل عند العقل بمثالها إلا إذا كان ما يتبع العمل مرادًا لفاعله بالعقل، وإلا لعُدَّ النائمُ حكيمًا فيما لو صدرت عنه حركةٌ في نومه قتلت عقربًا كادت تلسع طفلًا، أو دفعت صبيا عن حفرة كاد يسقط فيها بل لَوسِمَ بالحكمة كثير من العجماوات إذا استتبع حركاتها بعض المنافع الخاصة أو العامة والبداهة تأباه) . [6]

بالإضافة إلى ما تقدم فإن تفسير الحِكَم على هذا النحو يجعل محاسن الشريعة اتفاقية غير مقصودة ولا يخفى ما في ذلك من تنقص للشريعة، ونيل مكانتها [7] وفي الحقيقة: أن هروبهم عن الفظ الغرض أو العلة كان وراء هذه التناقضات مع أنهم في نهاية المطاف يقولون برعاية المصلحة بل

ـ 90 ـ

ينقلون الإجماع على ذلك [8] وكون الشارع راعى المصلحة في التشريع هو في معنى قصده إليها، وإلا لم يكن مراعيًا لها [9] إذا علم ذلك فإنه يتضح مما سبق أن الأشاعرة يقولون

(1) زكريا الأنصاري هو: زكريا بن محمد بن أ؛ مد بن زكريا الأنصاري السبكي، القاهري، الأزهري الشافعي، زين الدين أبو يحيى، مشارك في الفقه والحديث والتفسير والنحو والمنطق. من مؤلفاته: شرح منهاج الأصول للبيضاوي، وغاية الوصول شرح لب الأصول مختصر جمع الجوامع، توفي سنة 926هـ. انظر ترجمته في: شذرات الذهب 8/ 134، ونظم العقيان للسيوطي ص 113، والبدر الطالع 1/ 252، والفتح المبين 3/ 102.

(2) انظر ما تقدم ص 86.

(3) انظر تعليل الأحكام ص 109.

(4) شفاء العليل ص 420 وما بعدها.

(5) هو محمد عبده بن حسين خير الله من آل التركماني، فقيه، مفسر، متكلم ولد سنة 1266هـ له اتجاهات عقلية، تأثر بشيخه الأفغاني في كثير من أفكاره، توفي سنة 1323هـ. انظر ترجمته في: معجم المؤلفين 10/ 272، ولاستكمال الصورة عن أفكار محمد عبده انظر: الإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين ص 73.

(6) رسالة التوحيد ص 71، وانظر: حاشية محمد عبده على شرح الجلال الدواني ص 178 وما بعدها.

(7) انظر: تعليل الأحكام ص 99.

(8) سيأتي ذكر ذلك قريبًا إن شاء الله ص 96.

(9) انظر: حاشية محمد عبده على الجلال الدواني ص 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت