الصفحة 80 من 550

الأمر الثالث: أن الملاحظ أن مقولة الأشاعرة مقولة نظرية لا قيمة لها من الناحية العملية حتى عند الأشاعرة أنفسهم إذا تخلوا عنها بكل سهولة في باب القياس وإثبات المناسبة والتمسوا لأنفسهم الأعذار في مخالفتهم لها وكل ما ذكروه، وما حاولوا أن يفسروا العلة به هناك لا يجديهم في باب القياس إذ العلة لا يصح القياس عليها إلا إذا كانت مقصودة للشارع لنعلم أنه أراد تحقيق تلك العلة في الفرع كما وردت في الأصل. وكأن الرازي أحس بذلك حين وجهت إليه أدلة عقليةٌ في إنكار التعليل فقال: (فأما الوجوه العقلية التي ذكرتموها فهي لو صحت لقدحت في التكليف، والكلام في القياس نفيًا وإثباتًا فَرْعٌ على القول في التكليف، فكانت تلك الوجوه غير مسموعة في هذا المقام) . [1]

ولهذا ذكر التفتازاني هذا بصورة أوضح بعد أن اعترف بضرورة تعليل بعض الأحكام حيث قال: (والحق أن تعليل بعض الأفعال لا سيما شرعية الأحكام بالحكم والمصالح ظاهر .. ) ثم قال: (ولهذا كان القياس صحيحًا) [2] وذلك لأن القياس إنما يصح إذا كان الجامع علة باعثة على شرعية الحكم ومؤثرة فيه ولا يكفي كونه مصلحة مترتبة عليه.

وقال الزركشي: (وإذا ثبت أن الحكم لا يثبت إلا لمصلحة إما جوازًا أو وجوبًا ـ على الخلاف ـ انبنى على ذلك أنه لا ينصب أمارة على الحكم إلا بمناسبة أو مظنة معنى يناسب وإلا لزم ثبوت الحكم لا لمصلحة وهو ممتنع) . [3]

(1) المحصول 2/ 2/270.

(2) شرح المقاصد: 4/ 302، وانظر حاشية السيالكوني على الجلال الدواني ص 179.

(3) البحر المحيط: 5/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت