فهرس الكتاب
وبعد أقل من شهر واحد من الإفراج عنه أعيد اعتقال الشهيد 6 أشهر جديدة في سجن النقب، وفي مطلع العام 1991 أعيد أيضًا للاعتقال الإداري في سجن النقب مدة 6 أشهر أخرى قبل أن يبعده الصهاينة إلى مرج الزهور برفقة صحبه الذين حوّلوا الهضبة الجرداء إلى دار علم ومحضن فكر ومنبر دعوة نقلوا من خلالها للعالم الصورة الحقيقية عن فكر حماس وتاريخها وارتباطها العقدي بالأرض والإنسان، وشرحوا للوفود الزائرة من كلّ بقاع الأرض معنى المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون.
بقي الشيخ جمال ورفاقه في مرج الزهور ما يقارب العام لا يبرحون الخيام ويحتضنون الحدود، فهو ابن النكبة ويعلم أن الذوبان في المجتمع يعني إفناء قضية وإلقائها في زاوية مهملة على رفوف الهيئات الدولية العاجزة، ويحوّل حق العودة إلى بطاقة تموين.
بقي الشيخ في مخيّمه ينظّم مع رفاقه فعاليات العودة حتى أنعم الله بها عليهم عطاءً غير مجذوذ، وبعد عودة الشيخ ورفاقه إلى أرض الوطن أعيد اعتقال الشيخ في العام 1995 وخضع للتحقيق في سجون الاحتلال لما يزيد على مائة يوم ثم أفرج عنه بعد أن عجزت سياط الجلاد عن انتزاع حرفٍ واحد من لسانه الذي أقسم أن لا ينطق بعد الألم إلا بالبلسم.
رحلة طويلة من السجون والعذاب أهم ما ميّز الشيخ جمال خلالها صمته الدامي الذي كان يكلّف جسده الكثير من العناء والتعب رافضًا الخضوع للجلاد أو الاعتراف في أقبية التعذيب وحاثًّا جميع من يلتقيهم في الزنازين على الصمود وعدم الوقوع في حبائل الشاباك ومحذّرًا من الخونة والمندسين، والغريب أنه كان يشعر بلذة الجرح في نظرة الانكسار التي يحصل عليها من المحقّق العاجز عن أخذ كلمة واحدة من لسانه.