فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 291

غادرت عندليب بيتها ميممة وجهها شطر هدفها المنشود، وصيدها الثمين الذي تنتظره بفارغ الصبر، فيما كانت الدنيا تشتعل من حولها، والحمم تتطاير في كل الاتجاهات، والدماء تسيل مدرارًا كالسيل الجارف، والبيوت والمقدرات تتهاوى على رؤوس أصحابها، كما الزلزال الذي يجرف الأخضر واليابس، ففي تلك الأثناء كان جيش الاحتلال في ذروة هجمته الغاشمة على مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، في إطار حملة"السور الواقي"الشهيرة، وكانت دباباته وبلدوزراته وطائراته تدك مخيم جنين، وتسويّ بيوته بالتراب، وترتكب المجازر بحق أبنائه دون أية قيود، أو اعتبارات إنسانية أو أخلاقية، ودن أي اهتمام أو اعتراض إقليمي أو دولي، وتمارس خطة إبادة شاملة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية.

لم تهن عندليب أو ترتدع أو يتسرب الخوف إلى نفسها لمرأى جرائم ومجازر الاحتلال التي لم تترك ركنًا أو زاويةً أو بيتًا فلسطينيًا إلا وتركت فيه أثرًا داميًا، فقد حباها الله إرادةً فولاذية، وقلبًا نابضًا بحب شعبها، ومنحها عزيمة راسخة استعلت بها على كافة نوازع الخوف والانكسار.

لم تكن عندليب فتاة مثقفة كما بقية المثقفات اللاتي يلكن الكلام ويمضغن الفلسفة ، ولم تكن فتاة هامشية، ارتضت لنفسها أن تصبح رقمًا مجردًا في إطار الأرقام والإحصائيات السكانية الفلسطينية، ولم تكن فتاة سلبية تؤثر مصالحها الشخصية، وتنحاز إلى همومها ومشاكلها الذاتية، وتفضل العيش في أجواء ومتطلبات أنوثتها التي تتأجج بداية فترة الشباب، والبحث عن آخر صرعات الموضة والزينة واللباس، وأشكال الفحش والفجور التي ملكت على بعض الفتيات والنساء حياتهن، فأصبحن لا يرين إلا أنفسهن، ولا يعرفن إلا مصالحهن، بعيدًا عن التفكير في الوطن وقضاياه، والناس ومعاناتهم، والاحتلال وجرائمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت