فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 175

فهذان خبران أخبر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وقعا كما أخبر، فقد اقتتل عليّ ومعاوية رضي الله عنهما بجيشيهما في صفين، ودعواهما واحدة، فكان ما أخبر به صلى الله عليه وسلم كما أخبر فهي آية نبوّته صلى الله عليه وسلم ومعجزته التي على مثلها آمن البشر.

وأما الخبر الثاني فقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أن سجاح أيضا تابت.

وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة، وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم.

ومن الغيوب كذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن استشهاد أمراء مؤته قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم؛ روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [1] .

ومن الغيوب الباهرة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وعده لأصحابه بالنصر والتمكين لهذا الدين رغم ما كان يصيبهم من أذى واضطهاد من قريش في مكة، روى البخاري عن خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ [2] ، وقد تم هذا كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فكان آية نبوته ومعجزتها التي لا يقدر عليها أحدٌ إلا الله جل جلاله، وعظم سلطانه.

ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بفتوح أمته للبلدان المتفرقة، وانتشار الإسلام حتى يرفرف على جهات الأرض المختلفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن ملك أمته وسلطانها: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ) [3] .

يقول النووي:"هذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به صلى الله عليه وسلم قال العلماء: المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنزي كسرى وقيصر ملكي العراق والشام، وفيه إشارة إلى أن ملك"

(1) 3 - صحيح البخاري كتاب المناقب باب مناقب خالد بن الوليد رضى الله عنه.

(2) 1 - صحيح البخاري كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام.

(3) 2 - صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت