فهرس الكتاب
-…ومن صور حمايةِ الله لخليله صلى الله عليه وسلم كذلك، صرف الشتم والذّمّ والاستهزاءَ إلى غيره، فإذا بالمستهزئ يريدُ أن يشتمَهُ فيشتمَ غيره من حيث لا يشعر:
روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ .
قال ابن حجر في فتح الباري: كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون مذمم، وإذا ذكروه بسوء قالوا فعل الله بمذمم، ومذمم ليس هو اسمه ولا يعرف به فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفا إلى غيره.
ومن ذلك ما رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: لما نزلت: (تبت يدا أبي لهب وتب) أقبلت العوراء أم جميل، ولها ولولة، وفي يديها فهر ، وهي تقول: (مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا) والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه الى جنبه فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه، وأنا أخاف أن تراك، فقال: (إنها لن تراني) ، وقرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) (الإسراء 45) فجاءت حتى أقامت على أبي بكر فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أبن الذي هجاني وهجا زوجي، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت، وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها، وفي لفظ: يا أبا بكر، ما شأن صاحبك ينشد في الشعر، بلغني أن صاحبك هجاني.