فهرس الكتاب
... ولكن هذا الحوار عاد وأفاق مرة ثانية.. لقد استيقظ في نفسي بعد أربعين عاما - بعد هزيمة حزيران النكراء.. وعاد السؤال القديم: أيهما افضل البقاء مع الدولة العثمانية أم السير في ركاب الحلفاء؟.
... ورجعت إلى نفسي، إلى هذا السؤال القديم، وقررت، وأنا أستعرض مسيرة الصهيونية في خلال خمسين سنة خلت، أن جيلنا كان على خطأ فادح، وأن الحكم العثماني بكل مخاطره التي أعرفها، أفضل من هذه"الاستقلالات"العربية، وهذه الدويلات المنكسرة، وقد هزمتها الصهيونية في حروب ثلاث، وهي الآن مركزة مدافعها على ضفاف النيل والأردن وسفوح الجولان، فاغرة أفواهها صوب العراق والكويت والسعودية ولبنان.
... ولعلي ما كنت أرتضي لنفسي هذا الاعتراف، لو أني أرى"الوحدة العربية"أملا قريبا، فالصهيونية العالمية وفي طليعتها إسرائيل قوة ديناميكية هائلة، لا يمكن أن يقف أمامها إلاّ وحدة عربية، لها جيش عربي واحد، على رأسه دولة اتحادية واحدة.. دولة واحدة حول إسرائيل على الأقل ... وبدلا من أن نظل نردد أن شعار إسرائيل من النيل إلى الفرات، علينا أن نقيم دولة الوحدة من النيل إلى الفرات ...
... إنه اعتراف خطير من غير شك، يحتاج بحثه ومناقشته إلى كتاب مستقل.. ولكن أنى للتاريخ أن يعود إلى الوراء..!
... ولم تكن هذه المخاوف تساورنا في أوائل العشرينات، بعد أن فرض الانتداب على بلادنا في المشرق العربي، لأسباب عرضتها في مذكراتي.. بل أن جيلي كانت له أحلام الكبار لعلها اقرب إلى الخيال.. ولكنها كانت تراودنا على كل حال ... ومن حق الأجيال الناشئة أن تعرفها، لتدرك في أي فلك