فهرس الكتاب
... وبحثت في أعماق نفسي عن أسبابها، وتجاوزت عما أذيع ونشر، فلم يكن السبب فساد السلاح.. بل كان السبب ولا سبب سواه.. فساد الخلق القومي في الحكم العربي ... وتذكرت حينذاك حدثا مررت به في يومه مر الكرام.
... تذكرت أننا ونحن في شرخ الشباب، قد خرجنا من عكا في أوائل الثلاثينات إلى الحدود السورية لاستقبال السيد ياسين الهاشمي - الزعيم العراقي المعروف - وسرنا به في موكب فخيم إلى عكا.. وسار معنا بهدوء ورصانة، وعلى رأسه"فيصلية"من القماش العراقي الخشن.. وأذكر أنني خطبت بين يديه خطابا توقعت بعده أن أسمع منه خطابا وطنيا مليئا.. ولكن ياسين الهاشمي قد خيب ظني، فلم يهتز لروعة الاستقبال ولا لروعة الخطاب.. ووقف ليقول: لا بد أن نبني الخلق القومي في الحكم العربي أولًا وقبل كل شيء.. والسلام عليكم..
... كنّا في ذلك العهد في عنفوان الشباب، قلوبنا قفزت من صدورنا واستقرت في رؤوسنا تتبوأ مكان عقولنا.. فلم يعجبنا كلام الهاشمي.
... غير أني فهمت كلام ياسين الهاشمي بعد خمسة عشر عاما، حينما كنت في الساحة العربية على مقربة من الملوك والأمراء في زهراء أنشاص، ومع الرؤساء والوزراء والسفراء في ردهات الجامعة العربية وترحمت يومها على ياسين الهاشمي، فقد رأيت بعيني وسمعت بأذني كيف أن الحكم العربي لم يكن يتحلى بالخلق القومي.. فكانت الكارثة وكانت إسرائيل..
... وعلى الساحة العربية شهدت مولد الجامعة العربية.. وقد أسهبت مذكراتي كيف أنها ولدت كبيرة جدا ثم أصبحت صغيرة جدا.. وكيف عشت