فهرس الكتاب
... وأذكر ذات يوم، أنني رأيت في ساحة البيت صندوقا خشبيا طويلا ممددا على الأرض، وترامت في أذني كلمات وعبارات، كل ما بقي منها في مسمعي: مسافر مسافر.
... وعلمت بعد ذلك ما لم أكن أعلم، فقد كان هذا الرجل"عمي"زوج أمي، تزوجها بعد طلاقها من أبي، وكان هذا الرجل صالحا تقيا، يعمل موظفا في مصلحة البريد، في إصلاح خطوط التلفونات.
... وكان ذلك الصندوق الخشبي الممدود في ساحة البيت، هو نعشه الذي حمله إلى مثواه الأخير، فقد توفي بعد زواجه من أمي بعام أو بعض عام. ولعل كلمة مسافر، كانت تفسيرا لي لمشهد الموت ...
... وعلمت بعد ذلك ما لم أكن أعلم، فقد كنت ولدت في قلعة تبنين، من أعمال لبنان، حيث كان والدي معتقلا في زمن الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد، وكانت والدتي تركية، تزوجها على زوجة تركية أخرى ثم طلقها، وكان مولدي في عام 1908 على ما قدرت فيما بعد من أعمار أقراني.
... وكان أن نقل عمي"قاسم"إلى مدينة طولكرم، ليعمل موظفا في دائرة المالية، وسافرت والدتي في صحبة أسرته وأقامت معهم. وفي طولكرم تزوجت والدتي إلى موظف البريد"عمي سليم"وبهذا تهيأ لي من يكفلني في حياة الطلاق والفراق ...
... رحم الله"عمي"سليم فقد أنقذني من شقاء اليتم ولو إلى حين،
... ورحم الله ذلك الزمن الذي كانت فيه رعاية اليتيم صفوة التقوى، بل جوهر الدين، وعنوان الإيمان.