الصفحة 31 من 907

... وكنت أسمع هؤلاء الفلاحين والفلاحات، يغنون وينشدون والأحمال على رؤوسهم، فأجري خلفهم إلى الغرفة المظلمة فأستشعر الرهبة، ولا يسرّي عن نفسي إلاّ الحداء والغناء.

... وإنني لأذكر أنني كنت أحمل كتابا من كتبي المدرسية وأجلس في الغرفة على مقربة من الطريق المؤدي إلى المتبن، ثم أنطلق في القراءة بصوت عال حتى إذا شاهدت الفلاحين والفلاحات أخذت أقرأ صائحا، تحدوني الرغبة في أن يسمعوني، وأن يعلموا أنني أجيد القراءة، كما يجيدون الغناء ...

... ولست أذكر متى ذهبت إلى المدرسة، وكل ما بقي في ذاكرتي أنني كنت في المدرسة ولا أعرف كيف ومتى، ولا أعرف من أخذني اليها، أهي أمي وكانت متدينة محجبة على خلاف النساء اللواتي كن يعشن في حينا، أم أن أولاد الجيران تولوا هذه المهمة الشاقة الصعبة!!

... وكانت المدرسة تقع في وسط المدينة، ولا تزال في مخيلتي صور متفرقة عن حياة الدراسة في تلك الفترة من طفولتي.

... وأبرز هذه الصور أن المعلمين كانوا في الصباح يتفقدون الغائبين من الطلاب، فيرسلون الأولاد الكبار إلى بيوتهم، وهؤلاء يبحثون عنهم في مخابئهم سواء في منازلهم أو في الشوارع والساحات أو في"الحواكير" [1] ، حتى إذا ظفروا بهم قادوهم إلى المدرسة يجرونهم جرا، وهنالك يهوي عليهم المعلم يضربهم بقضيب تسمع لهم فحيحا وهو ينزل على ظهورهم وجنوبهم،

(1) * الحواكير:جمع حاكورة وهي قطعة أرض صغيرة تابعة للمنزل تزرع عادة بالخضروات والفواكه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت