الصفحة 33 من 907

... وإن أنسَ لا أنسى يوم الخميس من كل أسبوع، ففي ظهر هذا اليوم تبدأ عطلتنا إلى صباح السبت، ويغمرنا الفرح حين ننصرف من المدرسة وجوارحنا منطلقة إلى اللعب في يوم الجمعة بكامله، وما نستيقظ في صباح السبت إلاّ والشعور بالانقباض والرهبة يملك علينا مشاعرنا ونحن نهم بالذهاب إلى المدرسة.

... ومن تقاليد يوم الخميس"الرغيف والبيضة"، فلا بد لكل طالب في ذلك اليوم أن يقدم للمعلم رغيفا وبيضة، ولا أذكر أنني حملت للمعلم هذه"الضريبة"، ولعل حالتنا المادية لم تكن تسمح بذلك، أو لعل الأمر قد غاب في غياهب ذاكرتي في جملة ما غاب من شؤون الطفولة.

... وكان الانصراف من المدرسة"عملية"عسكرية بذاتها، طريفة من غير شك، ولكنها تدل على تأصل الروح القبلية في حياتنا القومية.

... فقد كان المعلم حسن يجمعنا في ساحة المدرسة صفا واحدا، ثم ينادي على التلاميذ بأحيائهم.

وكان يصيح: القَبَالا، فيخرج تلاميذ الحي القِبْلِي وينصرفون إلى بيوتهم..

ثم يصيح: الشّمالا، فيخرج تلاميذ الحي الشَمالي وينصرفون إلى بيوتهم..

ثم يصيح: الغَرابا، فيخرج تلاميذ الحي الغربي وينصرفون إلى بيوتهم..

ثم يصيح: الشَراقا، فيخرج تلاميذ الحي الشرقي وينصرفون إلى بيوتهم..

... وكان نصيبي أن أنصرف مع"الشراقا"إلى الحي الشرقي من المدينة، وكنت أسمع التلاميذ الكبار يتناقشون: أي حي أكثر عددا، وأي حي أشجع وأقوى، ولا أزال أذكر، كأنما المشهد أمامي، وقد انقضى عليه خمسة وخمسون عاما من الستين عاما من عمري، أن التلاميذ ، وهم في طريقهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت