الصفحة 59 من 907

وجودي في البيت وجود يتيم، بل لعل اليتيم أسعد حالا، ذلك أنه يلقى الحب والعطف.

... وكيف ألاقي الحب والعطف، وخالتي صاحبة الأمر والنهي، لا تطيق رؤيتي وأنا ابن ضرتها. وكانت خالتي من"أضنة"من بلاد الأناضول، صارمة قاسية، لا تقبل التعايش السلمي ولا الحلول الوسط، والمرأة يهون عندها كل شيء إلاّ الضرة وأبناء الضرة، تلك طبيعتها الإنسانية التي فطرت عليها فلا لوم ولا تثريب.

... ولم يكن أحد في البيت يجرؤ على مخالفتها، فلا يستطيع أحد أن يتودد إليّ بحضورها، أو يذكرني بخير في مجلسها، والطامة الكبرى حين يمتدحني أحد في مجلسها، أو يطري تصرفي وسلوكي، والويل لمن يذكر لها تفوقي في المدرسة.

... وقد انتقلت مشاعرها هذه إلى الأسرة جمعاء، مع درجات في التفاوت. فقد كانت عائلة عمي تتودد إليّ ولكن في غيبتها، وكان إخوتي يعاملونني بالإهمال والإنكار، ما خلا أخي الكبير فقد كان بارا بي وعطوفا عليّ.

... وكان الخدم والحشم يبالغون في رعايتي، فالطبقات المُعذَّبة يواسي بعضها بعضا، وكانت العجائز حين أجلس معهن في المطبخ، يحاولن تسليتي وتعزيتي بكلمات حلوة وعبارات مؤنسة لا تزال ترن في أذني، وهن يهمسن إليّ:

"الله كريم"

"والله ستكون أحسن منهم كلهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت