الصفحة 61 من 907

... ولكن"النانا"السيدة الصالحة التقية، كانت مثواي ومأواي، وإليها يعود الفضل في تنشئتي وتربيتي.. فقد كنت أنام معها في سريرها، وكانت تعنى بي عناية بالغة، كما لو كنت ابنها وأعز.

... حقا أن"النانا"لم تستطع أن تجعلني في مستوى إخوتي من حيث المعاملة والمكانة في المنزل، فقد كانت خالتي مصرّة على أن يكون لأولادها المقام الأول والحظ الأوفر، ولا أحسبها على باطل فذلك هو ابن آدم وآدم من تراب ... وهذه أخلاق التراب!!

... وكنت أقضي كثيرا من الوقت إلى جوار"النانا"، فقد كانت طاعنة في السن، تجلس القرفصاء إلى جانب"كانون النار"وهي تأخذ"بالملقط"جمرات النار لتضعها على"أركيلتها"التي لم تكن تفارقها ليلا ولا نهارا، حتى لتكاد أن تكون الأركيلة طعامها وشرابها.

... ومضت شهور وشهور وأبي غائب عن البيت، إلى أن سمعت ذات يوم أنه عاد من سفره، يحمل معه الهدايا الفاخرة من تركيا.

... وعجّ البيت بالزائرين من الأهل والأصدقاء وكبار رجال الحكومة في عكا، ليسلموا على والدي، فقد كان صاحب جاه عظيم في الدولة يقصده القاصي والداني للشفاعة أو الوساطة. وكان والدي لا يرد رجاء أحد، حتى أن جمال باشا قال مرة، كما علمت فيما بعد: عجبت لأمر الشيخ أسعد، ما أكثر كتب الشفاعة التي يرسلها إلي، وكثير منها يناقض بعضها بعضا، فهو يتوسط لأهل القاتل ولأهل المقتول، وفي وقت واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت