فهرس الكتاب
... ومضت أيام وأنا أنتظر أن أرى والدي ويراني، فقد كنت أتطلع إلى لقياه، وإلى نصيبي من الهدايا الفاخرة التي تسامع أهل البلد بأنبائها، وأخذوا يقصون حديثها، فلم يكن لي حظ في اللقاء، ولا نصيب في الهدايا!!
... وأذكر أنني ذات يوم. أُدخلت على والدي في غرفته، وأحسب أن خالتي كانت غادرت المنزل في ذلك اليوم لزيارة أو نزهة، فكانت فرصة للتعارف بين الولد وأبيه!!
... ولست أذكر الآن ما كان بيني وبين أبي. ولعل الجلسة لم تتجاوز دقيقة واحدة فقد كانت مختلسة وقصيرة، فلم تترك ذكريات محددة في نفسي، وقد بدا لي فيما بعد أن والدي، وهو ما هو عليه من شخصية كبيرة وألمعية نادرة، كان يخشى خالتي، أو على الأقل يريد أن يتجنب أن يقع معها في أي إشكال، أو قيل وقال.
... وكل ما أذكره، أن والدي قد دسّ في يدي بضعة قروش وهرولت من الغرفة، وكانت فرحتي عظيمة فهي أول"قروش"تصل إلى يدي.
... ولعل فرحتي بالقروش كانت أروع من فرحتي باللقاء، وماذا عساها أن تخلف في نفسي نظرات مختلسة في لقاء وجيز مع أبي.. بعد ثمانية أعوام بأيامها ولياليها، لم أنعم خلالها أن أكون في حجره أو حضنه!!
... غير أن هذه الفرحة لم تدم طويلا، فما أن انقضت ساعة أو بعض ساعة، وأنا أتفرسّ القروش بيدي، وأعدها واحدا واحدا، ثم أكرر عدها حينا بعد حين، حتى رأيتني"مطوقا"بأخي أنور ومعه فتيان العائلة وعدد من الخدم...