فهرس الكتاب
... وكان أخي أنور يحمل مشاعر أمه،"الخالة"، ولا يفتر عن الحاق الأذى بي والتعرض لي بمناسبة وبغير مناسبة، ويظهر أن بعض الخدم قد نقلوا إليه النبأ الخطير، لقد دخل أحمد على والده ونفحه ببعض القروش!!
... فأخذني أخي أنور"وعصابته"إلى خارج المنزل، وبعد"معركة"قصيرة لم يكن فيها تكافؤ بيننا، انتزع القروش من يدي وعدت إلى البيت"معدما"، كما كنت طيلة عمري إلى ذلك الوقت ...
... ثم مضت أيام، وسرى الخبر في البيت، بأن والدي على أهبة السفر، فقد تلقى برقية من جمال باشا يستدعيه للسفر ...
... وصباح ذات يوم، خرج والدي من غرفته وهو في ملابسه، في جبته وعمامته، ووسام عثماني صغير على صدره، وهو يتمتم آيات قرآنية بهيبة ووقار.. يحيط به الأهل والأقرباء في سكون ورهبة..
... وحين همّ والدي بالانصراف، تقدم إخوتي فقبلوا يده وقبلهم، وأودع في يد كل واحد ورقة مكتوبة فيها آية قرآنية، وكانت هذه عادته حين السفر، وركب العربة ومضى إلى سفره.
... أما أنا فكنت واقفا بعيدا عن الجمع، فلم أجرؤ على الاقتراب من والدي لأقبل يده ويقبلني، وأحسب كذلك أن والدي لم يجرؤ على الاقتراب مني، فقد كانت الخالة موجودة، واقفة له بالمرصاد!!
... وعدت إلى غرفتي مغموما مهموما، لا يسليني ويعزيني إلاّ صوت عجوز، يهمس في أذني برفق وأناة، وفي سكينة مليئة بالإيمان: إصبر إن الله مع الصابرين..