الصفحة 65 من 907

... وكانت هذه المشاهد تتكرر أمامي في غدوي ورواحي، في الطريق إلى المدرسة، وكانت المدرسة في داخل المدينة بين أزقتها وشوارعها الضيقة، ولكن الطرق كانت مبلطة ومعظمها مسقوف لا يجعل للمطر والشمس سبيلا.

... وكان في المدينة مدرسة إعدادية، وعدة مدارس ابتدائية موزعة في أحيائها، وقد بنيت المدرسة الإعدادية خارج السور قريبا من بيتنا على أكتاف الطلاب الشبان، وكنت أراهم يحملون الحجارة والطين، ويناولون"معلم البناء"فيبني، ويبدو أن المدينة لم يكن فيها عمال أو أن الأموال لم تكن متوفرة، وبهذا استراح الطلاب من الدروس، وحملوا المعاول والفؤوس!!

... أما مدرستي الإبتدائية فقد كانت في مبنى قديم محكم الأبواب وله سور عال، ولعل الاختيار قد وقع على مثل هذا البناء حتى"يضبط"التلاميذ ولا يهربون، وقد كان بعض الآباء يأتون بأبنائهم إلى المدرسة ويدخلونهم الباب، ويسلمونهم إلى"بواب"المدرسة، وكان بعضهم يأتي في المساء"ليتسلم"ابنه ويعود به إلى البيت"ليذاكر"ويدرس، ولا يفلت إلى الشارع.

... وكنت مواظبا على المدرسة، مجتهدا في دروسي، وكثيرا ما كنت أبكر في الذهاب إلى المدرسة حتى قبل أن تفتح أبوابها، ومرات ومرات كان"البواب"يحضر إلى المدرسة ليجدني جالسا على العتبة، فيفتح الأبواب وأدخل معه.

... ولعل هذا الجد من جانبي، طبيعة في نفسي منذ صغري، ولعله قد تضاعف بقدر ما كنت أسمع من العجائز في بيتنا من النصح الملح، بالانكباب على الدرس، وأن الدرس وحده هو الذي سيأتيني بالفرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت