فهرس الكتاب
... بل لعل ما كنت ألاقيه من الحرمان في البيت وما يلاقيه إخوتي من الدلال والعناية، كان حافزي على العلم، فلطالما همس الخدم والعجائز في أذني:"بالعلم ستصير أحسن من الجميع".
... وكانت دروسنا في هذه المدرسة الإبتدائية، باللغة التركية، وكان المعلمون عربا ومعظمهم من سكان المدينة، وكان القرآن أحد مواد الدراسة، و"التجويد"مادة مستقلة، وهو علم له قواعد صارمة في ترتيل القرآن.
... ولكن الغريب العجيب أن"الصرف والنحو"كانا يدرسان باللغة التركية، فقد كان المعلم ولقبه بالتركية"خواجه أفندي"يجلس على كرسيه وعمامته"جالسة"على رأسه، يميل إلى الأمام والوراء وهو يقرأ بأعلى صوته ونحن نكرر من ورائه:
... زرب، يزرب، إزرب، لا تزرب، إلى آخر أفعال الصرف.
... يقابل ذلك باللفظ الصحيح: ضرب، يضرب، إضرب، لا تضرب ... وشتان بين اللفظين، في النطق والمعنى، ولكن هذه هي اللهجة التركية، وكان على"خواجه أفندي"العربي العكاوي أن يعلمها للتلاميذ العرب في هذه المدينة العربية ... !!
... وكانت الكتب بين أيدينا باللغة التركية كالحساب والقراءة العامة، ولم أكن أجد مشقة في ذلك فقد كانت اللغة التركية هي لغتنا في البيت، وأذكر أن التلاميذ كثيرا ما كانوا يسألونني عن بعض الألفاظ التركية، ويستعينون بي في فهم دروسهم.
... ومع ذلك فقد كنت مولعا باللغة العربية والقرآن منذ نشأتي، وظل ولعي باللغة يرافقني في جميع مراحل التعليم حتى تمكنت من قواعدها