فهرس الكتاب
... وبدأنا نسمع باسم"بادون باول"مؤسس الكشافة البريطاني، وقد كرهت بادئ ذي بدء أن أنخرط في كشافة مؤسسها بريطاني، وبريطانيا هي التي خانت الشريف حسين، ونكثت بعهودها للعرب وأعلنت وعد بلفور.
... وكانت هذه المشاعر قوية في نفوسنا، ولكن خفف منها أن الكشافة بدأت تتعرب، فليس علينا أن نلبس"القبعة"وهي في نظرنا لباس بريطاني، فنشأت بدعة جديدة في لباس الرأس، فقد احتفظنا بالطربوش ولكن خيط له غطاء من"الكاكي"تتدلى منه قطعة طويلة خلف الرأس وأخرى قصيرة فوق الجبهة، ولم يفتأ كجزء من حملة التعريب أن يكون البنطلون تحت الركبة بقليل، وكذلك تضاءلت كراهيتنا لهذه الكشافة البريطانية لأن"المعلم واصف"كان مدرب الكشافة وهو مصري قبطي، كان يروي لنا حكايات الوطنية في مصر، ويشيد بالثورة على الإنجليز بزعامة سعد زغلول ...
... فأقبلت على الانضمام إلى الكشافة بحماسة بالغة، وزاد من حماسي أن المعلم واصف قد اكتشفني"خطيبا"أو أنني اكتشفت نفسي، فأصبحت خطيب الفرقة في اجتماعاتها ورحلاتها ...
... وأذكر يوم قمنا بجولة في بعض القرى قريبا من عكا في رحلة امتدت أسبوعا، في الدامون والبروة وعبلين وشفاعمرو، وكنت أخطب في كل قرية خطبا حماسية، أبتدئها وأختمها بشعر حماسي من محفوظاتنا التي كنا نقرأها في الكتب المصرية، وما زلت أذكر كيف أن أهل القرية قد أخذتهم الحماسة الدافقة وانطلقت أكفهم بالتصفيق، وأنا أقف بينهم منتصب القامة أرسلها بصوت جهوري:
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى وغيري يهوى أن يعيش مخلدا