فهرس الكتاب
الأول ولشعبكم الأول مثل ما أتيح لكم: حكم مستقل، صالح فاضل عادل، لتحركت المواهب من مكامنها، ولانطلقت العزائم من عقالها، كما تنطلق قوة"الأتوم"قوة الذرة، كانت في الوجود كامنة فحركتها يد العلم، أطلقتها الى أهدافها في جميع الأبعاد والآفاق.
ولست أيها الإخوان ممن يقول بتفاضل العروق والأجناس، فإن لكل أمة معايبها ومحامدها، لكن الثابت أن في الأمة العربية فيضا من القدرة على البقاء، وطاقة عجيبة في مغالبة أسباب الفناء. فلقد اجتاحها اليونان والرومان والفرس والصليبيون والأتراك ولكنها ظلت محتفظة ببقائها ولغتها وشخصيتها ولقد تنازعتها عوامل الانحلال والضعف قريبا من ألف عام وصمدت، وفنيت أخواتها وبقيت، وغلبت على أمرها وما سُحقت، وهُزمت وما هُضمت ولكن ذاب في ذاتها من بقي في أرضها من الغزاة والفاتحين، ذابوا بدمائهم ولغتهم وحضارتهم وتقاليدهم، فكان عليهم الفناء وكان لنا البقاء.
وحين انطلقت الأمة العربية من جزيرتها قبل أربعة عشر قرنا، رأت حكمة (الفرس) وعلم الرومان، وفلسفة الهند، ومنطق اليونان، وفنون البابليين، وحضارة الآشوريين، ومدنّية الفراعنة وقفتْ أمام ذلك فأبت أن تكون ناقلة مترجمة فعبأت العقول والألسنة والأقلام، ثم هذبَّت وأضافت، وحذفت وصهرت، وخلقت وأبدعت في كل ما فعلت، وحملت ذلك كله حيا ناميا مشرقا الى آفاق الأرض، تبذله حبا في بذله ونشره، فكان قاعدة هذه الحضارة التي تنعم بها دنيا اليوم ودنيا الغد، لا فرق بين العالم القديم الذي نعيش فيه، والعالم الجديد الذي تعيشون فيه.
وإنّ أمة هذا شأنها في الحضارة، وهذا مكانها في التاريخ، أمة تحضن البحر الأبيض المتوسط بذراعيها، تلتقي عند ثغورها القارات الثلاث آسيا