فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 98

ووصلت دار الإذاعة قبل الوقت المعين, لأتعرف كيف تكون آلة المذياع, وكيف يكون الصوت إلى جانب المذياع, قريبًا أم بعيدًا, مرتفعًا أم خافضًا, وسألت عن الصغيرة والكبيرة حتى لا أقع في أمر هجين أثناء الإذاعة, ولم يفتني أن أتظاهر بمعرفة بعض الأشياء, والسؤال عن البعض الآخر, وفيما أنا كذلك إذ دخل علينا: القس المحاور, فكان تعارف وكان سلام, وجلس مجلس الواثق المطمئن, فلعله زاول الإذاعة عشرات المرات وكان إلى جانبه شاب يرافقه قيل لي إنه موظف الجمعية الصهيونية, جاء يحمل للقس بعض أوراقه وكتبه.

وتقدم الفيصل [1] وأجلسنا إلى طاولة المذياع, وكدت أطلب إلى الفيصل أن أتكلم واقفا فهذا أول عهدي بالكلام جالسًا , فالوقوف ينبّه الفكر وقد ألفت الوقوف في المحاكم طويلًا كما ألفته على المنبر, فضاق صدري أن أرى نفسي حبيسة, وتراءى لي أن أفكاري قد غاضت في منابعها , وأنّي مخفق ذلك اليوم لا محالة. ولقد زاد من رهبة الموقف أن فشلي لن يكون فشلي وحدي, وإنما سيكون فشلًا للمهمة التي أنا قادم من أجلها. هنالك ضاقت علي الدنيا بما رحبت, وزلزل فؤادي, ولكن ما أعظم الخيال مسعفا, وما أعظمه منجدا.

وفي لمعة من لمعات الذهن تذكرت بلادي وما ينتظرها من بلاء الهجرة والدولة اليهودية وتذكرت كفاح المكافحين ونضال المناضلين، ورجال القرى يبيعون نفوسهم بيع السماح من غير هيبة ولا رهبة. تذكرت أن كل خفقة من نفسي, إلى الوطن مرجعها ومردها, فوثبت جميع جوارحي وتجدد ذهني وأصبح عقلي يطاوعني بسرعة الضياء، ورقة الماء، ولطف الهواء.

(1) * هو مقدم أو مدير البرنامج أو الندوة الذي يدير الحوار بين المشاركين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت