فهرس الكتاب
نيويورك 29-11-1945
إلى الوطن
أصبحت اليوم أعد العدة للسفر، وما أشبه الليلة بالبارحة. فمنذ أربعة أشهر خلت كنت أزم حقائبي، وها أنا أزمها مرة أخرى، وكنت يومئذ أستقبل هذه الدنيا الجديدة، ولكني اليوم أعود الى قبلتي الأولى، وهكذا الدنيا، مقام وارتحال، وقرار وانتقال.
ولقد عبرت هذه الشهور الأربعة من حياتي ساعة ساعة ويوما يوما. ما مر جزء منها بغفلة، فلقد كانت حافلة بالعمل والحياة، ورأيتها طويلة أحصيت فيها أجزاءَها، ولكني أستعرضها اليوم فأراها طرفا من طَرفة عين أو برهة متضائلة من برهة متضائلة. وإنّ عين الفكر لقادرة أن تضم أطراف الزمان، وحوافل الأيام من أقدم العهود، في خاطرة فكر، أو خفقة جنان، أو طرفة عين.
وغادرت الاوتيل في طريقي الى المرفأ في بروكلن لأستقل الباخرة المسافرة الى بور سعيد، وكان الثلج يتساقط كالعهن المنفوش يهوي من السماء في أطباق الهواء متهاديا مترنحا، وكان الطقس باردا جدا حتى لقد خُيل إلي أن الثلج المتهادي من السماء قد صعقه البرد فنزل راجفا مرتعشا، يلتمس الدفء على الأرض حتى إذا ما وجد قراره، أخذ يصعد أنفاسه وجرى ماء سلسبيلا.