فهرس الكتاب
وراعني مشهد الثلج في أبهى صوره وأجمل تقاطيعه. فهنا أكوام تكدست على غير هيئة ونظام، وهناك أكداس منه بدت رصيفا متصلا بين الطرقات ومقاطع الطرقات. واكتست الأشجار، أغصانها وسوقها، بغلالات من الجليد، فإذا بالجليد نابتا من الأرض بل ساقطا من السماء. ولم تنج الناطحات في رؤوسها وشرفاتها وجدرانها من هذا الكساء الأبيض يلف المدينة لفا رقيقا. ويبعث فيها هذا المنظر البهيج، فالطرق بيضاء، والأسطح بيضاء، والعمارات بيضاء، والمصانع بيضاء، والمداخن ... .بيضاء.
وفي هذا اليوم انقلبت المدينة القاتمة بمصانعها ودخانها وقتامها وضبابها، ناصعة الرقعة وفي يقيني أن هذه المدينة الجبارة التي فتنتها الآلة المنتجة المبدعة، هذه المدينة التي تحيا لتصنع وتصنع لتحيا، هذه المدينة التي استهوت قدرة الإنسان في الاختراع لا بد لها بعض أيام من السنة أن يرسل إليها ربنا بعض آياته وبيناته لتظل واعية لعجز الإنسان، وقدرة الله.
ودخلت الباخرة الى حجرتي ورفيقي فيها الوزير السوري ناظم بك القدسي، وكان جارنا في الحجرة الأستاذ وهيب بك دوس عضو مجلس الشيوخ المصري. فأخذنا نسارع لإصلاح شؤوننا وكل منا طامع في أن يجلس الى صاحبه، ويسامره ويؤانسه وهو حامد لهذه السفرة البحرية. ولم يمض طويل الوقت حتى كنا ثلاثتنا نجلس في زاوية من الباخرة نتسامر ما وسع السمر، لا يُعكر صفوه موعد مضروب، فالزمن هنا رهين برغبتنا ومشيئتنا، نصرفه كيف نشاء.
وأخذ دوس بك بإلقائه الساحر يروي شعر شوقي، يرويه مرتلا مُرنما يستعيد نغمه ويعيد، فكان راويا وسامعا، ومعيدا ومستعيدا. وراح ناظم بك يقص أيام الجهاد الوطني في سوريا وذكرياته السالفة في أوروبا أيام الدراسة