فهرس الكتاب
ورغمًا عن ذلك فقد كانت تدمر تتمتع باستقلال ذاتي كبير، وتحكمها أسرة عربية، وكان من أبرز رجالها أذينة بن حيران، وقد امتدت سلطته على ديار الشام وما يليها.. وأخذ يستأثر بالسيادة عن روما، ويتصدى للفرس لدفعهم عن البلاد، حتى أصبح يلقب ملك الملوك.
وفي ذروة هذا المجد الأمثل، مات أذينة مقتولا وهو في حمص (سوريا) ولعل روما، كما يذكر بعض المؤرخين، هي التي دبرت مقتله.
وآل الأمر بعده إلى زوجته زينب، الزباء أو زنوبيا، وهي من أسرة عربية معروفة وكانت على جانب عظيم من الذكاء و والشجاعة والمقدرة، وكانت تتكلم الآرامية والقبطية واليونانية، وانطلقت بعزيمة فذة تعيد السيادة العربية إلى الأقطار العربية، فرفرفت أعلامها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى إلى أنقرة، وأصبحت تعرف بملكة الشرق، وتحدت روما التي كانت أكبر عاصمة في ذلك الزمان..
وهكذا دخلت مصر في حوزة مملكة تدمر في القرن الثالث بعد الميلاد، لتتألق الوحدة العربية من جديد، منطلقة هذه المرة من قلب بادية الشام كما انطلقت قبل ذلك بقرون من وادي النيل ووادي الرافدين، وتوغل جيشها في أرجاء مصر وفتح الإسكندرية وكانت أعظم مدن الإمبراطورية الرومانية بعد روما، ونادت الملكة زينب بابنها ملكًا على مصر، وضربت المسكوكات خالية من رأس الإمبراطور الروماني، كما كانت العادة حتى ذلك العهد، فكان ذلك مظهرًا من مظاهر التحرير والوحدة..
وكذلك فقد كانت تدمر المدينة، بمبانيها الرائعة وهياكلها الفخيمة والأعمدة الضخمة الراسية في شوارعها وساحاتها، تنطق بالوحدة العربية،