فهرس الكتاب
بالعبور الكبير على نهر دجلة، إلى بلاد فارس نفسها، وكان ذلك العبور من أعظم الإنجازات الحربية، حتى أعتبره المؤرخون المسلمون الأوائل نصرًا من السماء لا من الأرض.
وهكذا تم تحرير ديار الشام ووادي الرافدين في خلال ثلاثة أعوام
(635 - 638) ، وزال سلطان الفرس والروم وهما أعظم دولتين في ذلك الزمان، وأصبح المشرق العربي من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي متحررًا من النفوذ الأجنبي، لا سلطان فيه إلا للأمة العربية.
ولم تكن هذه الحملة للتحرير فحسب، ولكنها كذلك كانت لإقامة الكيان العربي الواحد، فقد كانت ديار الشام والعراق، وإلى عهد بعيد تعج فيها المنازعات القبلية وتقوم فيها الدويلات العربية الصغيرة، هذه تحت جناح دولة الفرس، وتلك تحت جناح دولة الروم.
ففي الشام قامت دولة الغساسنة، وهؤلاء الغسانيون رحلوا من اليمن إلى الشام حيث أقاموا دولتهم وكانت عاصمتهم بصرى في حوران، وتعاقب عليها اثنان وثلاثون ملكًا على مدى ستمائة عام، وقد اتخذهم الروم عمالا لهم يستعينون بهم في صراعهم مع دولة الفرس، وكانوا وثنيين في أول هجرتهم ثم اعتنقوا النصرانية، ومنهم تحدرت الأسر النصرانية العربية في المشرق العربي، في سوريا ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين ..
وفي العراق، كانت دولة اللخميين والمناذرة، وهم من القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية، وكانت عاصمتهم الحيرة، على ثلاث ليال من الكوفة، وتعاقب على هذه الدول اثنان وعشرون ملكًا، وتولوا الحكم قرابة 364 سنة، ومعظمهم ينحدرون من آل لخم، وكما كان الغساسنة عمالًا للروم، فقد كان اللخميون عمالًا للفرس يستعينون بهم على الروم.