الصفحة 131 من 596

والمواطن، وكان أول ما قامت به الدولة أن وضع المنصور ثاني الخلفاء الحجر الأساسي لبغداد لتكون العاصمة الجديدة، فقد استوفت دمشق عاصمة الأمويين حظها من الازدهار والعمران .. ومضت الوحدة في سبيلها، بفارق واحد هو أن العاصمة قد انتقلت من بلد عربي، إلى بلد عربي.

وبدأت تعبئة شاملة للوطن العربي بأسره لانشاء العاصمة الجديدة، فقامت بغداد شامخة بأبوابها وأسوارها وقصورها ومساجدها ومستشفياتها ومدارسها وحماماتها، بعد أربعة أعوام من الجهد المتصل، على أيدي مئة ألف من المهندسين والصناع والعمال جمعوا من كافة أرجاء الوطن العربي، وأموا ل وفيرة قاربت خمسماية مليون درهم من خراج الوطن العربي .. وأصبحت بغداد عاصمة الدنيا بأسرها .. وأنى لبغداد أن يتحقق لها ذلك المقام الرفيع لولا أنها عاصمة الوحدة على الوطن الواحد والأمة الواحدة ..

والواقع أنه لولا الوحدة ما كانت بغداد بسحرها الذي أسر العالم، ولا حضارتها التي أثرت المدنية الإنسانية، ولا بأساطيرها في الف ليلة وليلة التي لا تزال تبهر القارئين في كل زمان ومكان..

وحقًا إنه لولا الوحدة، لكانت بغداد مدينة أخرى من مئات المدن المغمورة لا يعرف ساكنوها تاريخها.

ودائرة المعارف البريطانية المعروفة بتحفظها واتزانها لم يسعها إلا أن تشيد ببغداد بأنها"كانت حقًا جديرة باسمها وهو"دار السلام"وأنها كانت موئلًا للعلماء ممن أسدوا خدمات جلى للعمل في خلافة مستنيرة مما جعلها مركزا للعالم الإسلامي في وقت كان فيه الإسلام يمثل أرفع مدنية في الغرب" [1]

(1) دائرة المعارف البريطانية، مجلد2 ، ص 934.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت