فهرس الكتاب
وهذا المقام المرموق لبغداد والدولة العباسية إنما هو نتاج إبداع الأمة العربية في ظل الدولة الواحدة.
... والمنصور الذي بنى هذه العاصمة الأسطورية، لم يكن رمزًا للوحدة في بناء عاصمته الساحرة فحسب ، ولكنه كان رمزًا للوحدة في مولده، ذلك أن أمه كانت من البربر [1] فكان المنصور بعاصمته ومولده مثلا آخر يضاف إلى حشد كبير من الأمثلة تنبض كلها دليلا على الوحدة في الوطن العربي من المشرق إلى المغرب.
... والواقع أن المواطن العربي يجد في الدولة العباسية أعظم إنجازات الوحدة العربية ومزاياها، ذلك ان وحدة القدرات والثروات والطاقات العربية هي التي أضفت على الدولة مكانتها المرموقة وجعلت بين يديها مقومات التقدم والأزدهار، وضمنت لها كل أسباب الحضارة.
... ففي مجال العلاقات الدولية، أطل القرن التاسع الميلادي كما يقول المؤرخون، فإذا بالزعامة السياسية العالمية يتقاسمها اثنان: شارلمان في الغرب، وهارون الرشيد (العباسي) في الشرق، وليس من شك في أن الرشيد كان أقوى الاثنين وأرفعهما ثقافة. وفي شيء من المقارنة يبدو أن الرشيد وشارلمان كانا يمثلان العملاقين في العصور الوسطى، كما يمثل الاتحاد السوفيتي وأمريكا العملاقين في العصر الحديث.
وثمة مقارنة ثانية، وهي أن العملاقين في العصور الوسطى، الرشيد وشارلمان، كانا يقومان على دولتين اتحاديتين تمامًا كما تمثل روسيا وأمريكا نظامين اتحاديين في عصرنا الحديث.
(1) تاريخ اليعقوبي، ج3، ص 436 .