الصفحة 133 من 596

وهناك مقارنة ثالثة وهي أن"عظمة"أمريكا وروسيا ترجع في المقام الأول إلى طاقاتهما الموحدة في نظام اتحادي، تمامًا كما كانت عظمة الرشيد وشارلمان منبثقتين من النظام الوحدوي الذي جعل المشرق تحت سلطان الرشيد، والمغرب تحت سلطان شارلمان، ولولا هذا النظام الاتحادي للدولتين العملاقتين في العصور الوسطى، وللدولتين العملاقتين في العصر الحديث، لكان هؤلاء العمالقة الأربعة"أقزامًا"بين الأقزام الكثيرة في التاريخ، لا يعبأ بهم أحد، ولا دور لهم في ميدان الحضارة والعرفان.

ولم تكن الدولة العباسية في عزلة، فقد اتصلت بالشرق إلى أقصى الشرق، وقامت علاقات سياسية وتجارية بين دولة الوحدة العربية والصين، وحينما وضع أبو جعفر المنصور، وهو ثاني الخلفاء العباسيين، وجد الخلفاء الخمسة والثلاثين الذين حكموا بعده، حجر الأساس لبغداد قال"هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء . [1] "

... وقد صح كلام المنصور، فقد نشأت علاقات تجارية واسعة مع الصين، خاصة في تجارة الحرير، واستورد التجار العرب الحرير من الصين ليصدروه إلى الغرب كأغلى وأنفس صناعة في ذلك الزمن، وقد أشتهر الطريق الذي سلكه التجار العرب إلى الصين"بطريق الحرير العظيم".

... ثم بدأ تبادل السفارات بين دولة الوحدة العربية والصين، وذكرت المدونات الصينية التي تعود إلى ذلك العصر أن أبا العباس الخليفة الأول كان يعرف بالصينية"أبو لوبا"وأن الرشيد كان يعرف"ألون".

... ولم تكن أيام الدولة العربية هادئة صافية فقد كانت على حدودها الشمالية دولة معادية طامعة، وهي دولة بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية،

(1) استنادا إلى مصادر تاريخية ذكرت في، تاريخ العرب، للدكتور حتي ص 421،422.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت