فهرس الكتاب
ربطت بغداد بالموصل، وسكة أخرى ربطت بغداد من ناحية الشمال الغربي بدمشق وسواها من المدن السورية عن طريق الأنبار والرقة، وسكة ثالثة للحجيج من بغداد إلى مكة عن طريق الكوفة والبصرة، ومنها على الطريق إلى الحجاز.. وعلى الطريق أنشأت الدولة خانات وفنادق، وحفرت كثيرًا من الأبار تيسيرًا على الحجاج.. وبلغ من عناية الدولة بالطرق العامة أنها جعلت في مركز البريد ببغداد لوائح تدل على"السكك"التي تخترق أمصار الدولة مع بيان المحطات والأبعاد.. وكان رجال الدولة والتجار والحجاج يستعينون بهذه اللوائح، كما أصبحت فيما بعد مرجعًا موثوقًا للكثير من المؤرخين والجغرافيين.. ولم تكن خدمة البريد قاصرة على بغداد العاصمة، بل كانت مراكز البريد في عواصم الأمصار المختلفة. [1]
وعلى صعيد النظام القضائي، فقد أحدثت الدولة العباسية سابقة لم تظهر في الدول الأخرى إلا بعد قرون، فقد استحدثت منصب قاضي القضاة في بغداد، وكان أول من تولى هذا المنصب هو القاضي الشهير أبو يوسف، وأصبح قاضي القضاة هو الذي يعين القضاة في الأمصار، بعد أن كان يعينهم الولاة في الأمصار، وكان للقاضي راتب عال يزيده حصانة وعفة، حتى أنه بلغ ما كان يتقاضاه القاضي بمصر أربعة آلاف درهم شهريًا [2] وهو راتب ضخم لا يتقاضاه القضاة في هذه الأيام. وبهذا تكون الدولة العربية الواحدة قد منحت القضاة استقلالا وحصانة، ووحدة، في جميع الوطن العربي، وهذا ما لا تتمتع به الأمة العربية المعاصرة تحت الحكومات العربية العشرين.
(1) ابن خرداذبة، في صفحات مختلفة.
(2) السيوطي، حسن المحاضرة، ج2، ص100.