الصفحة 139 من 596

وكان في هذه الدولة الوحدوية دائرة هامة يرأسها"صاحب البريد والأخبار"وذلك هو لقبه الرسمي وهو ما يقابل"دوائر المخابرات"في الدول العربية المعاصرة، وكان يعنى بالبحث عن سلوك الموظفين وأعمالهم في جميع الأمصار وفي مقدمتهم الوالي نفسه.. وكان يعتمد في هذا المجال على التجار والدلالين والمسافرين، وعلى النساء الطاعنات في السن، لمعرفة كل ما يهم الدولة.. وكان المئات من الرجال والنساء يتجسسون أخبار العدو في الخارج وخاصة في بلاد الروم، متنكرين في زي التجار والأطباء وأهل الرحلة والأسفار. وفي مجال المباحث أو المخابرات، نجد اليوم أن الدول العربية العشرين الوحدوية تتبادل المعلومات فيما بينها بالقدر الأدنى على حين كانت الدولة العباسية الوحدوية تملك دائرة مركزية كبرى تحت تصرف الدولة الواحدة.

وتمتاز الدولة العباسية بإنها وضعت الوحدة العربية في إطارها الثقافي الحضاري، فكانت العروبة عندها بعيدة عن التمييز العنصري غير مبالية بصفاء الدماء أو عراقة الأنساب أو نقاء الأصول.. وقصة البرامكة في الدولة العباسية، شاهد على ذلك، وإن لم يعالجها كثير من المؤرخين من هذه الزاوية ..

والبرامكة تولوا الوزارة لسنين طويلة في عهد الخلفاء: المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد. وكان جدهم خالد بن برمك فارسيا شيعيًا، وبرمك معناها سادن المعبد البوذي، وكانت تلك وظيفة والد خالد في بلخ.. عاصمة ولاية خراسان.

والواقع أن البرامكة أصبحوا عربًا بالاستعراب، فكانوا على جانب عظيم من العلم والكفاءة والثراء، فبنوا القصور والمدارس والجوامع، وأغدقوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت