الصفحة 68 من 596

الفضيلة الأولى فقد عبأ جميع الشواهد التاريخية والأسانيد الواقعية التي تشن على الوحدة العربية في هذه الحقبة المعاصرة، وبالنسبة للفضيلة الثانية، فإن الرئيس بورقيبة قد عبر عن آرائه بجسارة واضحة، وكانت في الوقت نفسه تعبيرًا عن آراء زملائه ممن لا يملكون جسارته، فيلوذوا بالموافقة الصامتة، أو التغني بالوحدة أمام الجماهير، تزلفا ورياء.. وتلك بعض مهارات الحكم العربي المعاصر!!

والمواطن العربي يعرف، بالفطرة العفوية، أن زملاء الرئيس بورقيبة في الوطن العربي الذين أعنيهم، هم الملوك والرؤساء ومن تحتهم من الوزراء وقد أصبح هؤلاء جميعًا طبقة محددة يمكن أن توصف بأنها طبقة المنتفعين بالإقليمية العربية المتمثلة بالتجزئة والانفصال، بديلًا عن الدولة العربية المتحدة حين تقوم على الوطن العربي بأسره، من المحيط إلى الخليج.

والواقع أن الرئيس بورقيبة، وليس لنا أن ننكر جهاده الطويل في سبيل استقلال تونس، لا يؤمن أصلًا بالوحدة العربية، وهو يرى أن الوطنية الإقليمية هي حقيقة تاريخية ثابتة، وأن الخلافات العربية، السياسية والعنصرية والمذهبية، لا يمكن معها الوصول إلى الوحدة العربية، وأن الانتقال الفكري من الوطنية المحلية إلى القومية العربية،وبالتالي إلى الوحدة العربية يحتاج، في تعبيره،"إلى تغيير الأدمغة.. وهذا العمل يتطلب عشرات بل مئات السنين."!!

وواضح أن موضوع"مئات السنين"كفيل بقتل الوحدة العربية إلى الأبد، إذا يكفي أن يصدق المواطن العربي هذه"الفرضية"العلمية ، فيسترخي ويستريح، ويترك لمئات السنين أن تحقق الوحدة العربية، وأنّى لها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت