فهرس الكتاب
وكنت قد لقيت جمال عبد الناصر في الاجتماعات الشعبية. ولم تهيئ لي الظروف إذ ذاك أن ألتقي معه في جلسة طويلة، فقد كان يقضي ليله ونهاره في مكتبه يعد ويخطط، ليثبت دعائم الثورة، في حين كان معظم رجال الثورة يطوفون البلاد ويخطبون على الشعب..
ووصلت يدي بعد ذلك الوقت إلى كتابة فلسفة الثورة"لمؤلفه"جمال عبد الناصر، وتراءي لي لأول وهلة أنه قد يكون شبيها بكتاب"كفاحي"لهتلر.. ولكن رأيته غير ذلك..
كان كتيبا صغيرا .. ولكنه كان شيئا جديدا علي من مواطن مصري، فلقد ألفت أن أقرأ لقادة مصر السابقين خطبا وكتبا، رائعة، بما فيها من فن وإبداع.. وكان هذا الكتيب شيئا آخر تماما..
هذا الكتيب قد أغراني بقراءته في جلسة واحدة.. وسمعت في عباراته القصيرة المتقطعة طلقات.. أشبه ما تكون ببندقية تقذف الطلقات القصيرة المتقطعة .
ولم يكن النغم العسكري هو الذي أغراني بقراءته المرة بعد المرة.. فقد سمعت فيه صوتا جديدا.. لم يكن لي عهد أن أسمع مثله في مصر.. وقد قرأت كثيرا وسمعت مصر كثيرا، منذ أن كنت طالبا في المدرسة الثانوية في عكا، أتابع مع جيلي أخبار الثورة المصرية بعد الحرب العالمية الأولى.. [1]
قرأت الضابط المصري جمال عبد الناصر وهو يقول:"إن هناك دائرة عربية تحيط بنا، وإن هذه الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخها بتاريخنا.. حقيقة وفعلا لا مجرد كلام.. إنها الدائرة التي عانينا فيها نفس المحن وعشنا"
(1) * ) راجع كتاب المؤلف"أربعون عاما في الحياة العربية والدولية".