الصفحة 195 من 364

قد سرني أن عبد الناصر كان يقرأ من خطاب مكتوب على غير عادته في معظم الأحوال.. فهذا أول كلام مصري مسؤول، فيما أرجح عن الوحدة، وما أردته أن يكون خطابا مرتجلا ساقته عاطفة عابرة.. وكان الله يحب المحسنين.

نظر أعضاء الوفود العربية بعضهم إلى بعض، وهم من المدمنين على المجيء إلى القاهرة للدعوة إلى الوحدة العربية، يغمرهم السرور، وقد رأوا أن المؤتمرات العربية الشعبية قد آتت أكلها، وهذا خطاب عبد الناصر يتجاوب مع الجماهير العربية.

ولو أن زعيما عربيا من المشرق العربي تحدث يومئذ عن الوحدة العربية، بمثل ما تحدث به عبد الناصر لكان أمرا عاديا، فلم تكن هذه الدعوة غريبة على العراق والشام.. ولكن الحدث الخطير، أن تخرج هذه الدعوة من مصر، ومن مصري مسؤول، وبهذا الوضوح الحاسم القاطع، بعد أن كانت مصر وقادة مصر، ولسنيين طويلة يتحدثون عن"الرابطة الشرقية""والأقطار الشرقية"حين تدور ألسنتهم عن الأقطار العربية..

ولكن القوى الشعبية في العالم العربي، لم تصفق لعبد الناصر وانتهى، ولم يدخل في حسابها أنه سيصنع الوحدة العربية ويقدمها في باقات من الزهور للأمة العربية.. بل مضت في أداء دورها القومي في الدعوة للوحدة العربية.. وتأليب الجماهير حول شعاراتها، ومناشدة القادة العرب أن يضطلعوا بمسؤولياتهم لإنجازها.. ذلك أن الحاكم إذا ترك ترك..

ولم يعد أمام الرأي العام العربي في عام 1954 والأعوام التي تبعت، إلا موضوع الوحدة العربية، ونشطت جمهرة المثقفين للإعداد لمؤتمر يضم خريجي الجامعة الأمريكية.. ووصلت إلى القاهرة هيئته التحضيرية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت