الصفحة 142 من 155

والدراسات هذه القديمة والمعاصرة، لم تسقط وحيا من السماء، ولكنها نبتت من الأرض والناس، كانت كلها نابعة من الظروف العامة لكل مجتمع وكل أمة.. تماما كالخطط الاقتصادية تضعها كل دولة حسب بيئتها ومواردها وظروف شعبها..

ومن هنا يمكن القول بأن موضوع"القومية"غير موجود في العلم.. فالموجود هو"علم"القوميات، ما أكثرها.. ذلك أنه منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا نشأت مدارس فكرية متباينة حول موضوع"القومية"، وستنشأ مدارس جديدة مع الزمن.. والعلماء أولا وأخيرا، يتأثرون بالبيئة التي يعيشون فيها، وبنوازع شعوبهم والصراعات التي تموج من حولهم ولا يستطيعون أن يكونوا في معزل عنها.. ولا أضرب إلا مثلا واحدا.. هذا المثل هو القومية الأمريكية فهذه تفجرت منابعها الفكرية من النزوع إلى الفدرالية التي دعا إليها توماس جيفرسون ورفاقه، في خطبهم وكتاباتهم، وحين نقرأها اليوم نشعر أنها لا تزال ساخنة بعد أن انقضى عليها ما يقرب من مائتي عام وهي المعروفة "The Federalist".

... ولست أريد أن أذهب بعيدا في تصنيف"القوميات"وسرد مدارسها الفكرية والبحث عن مناهجها.. ويكفي أن نقول للدكتور عوض إنه لا يوجد مفهوم واحد للقومية بل إن هناك عشرات من المفاهيم والتعاريف، بعدد القوميات الممثلة في الأمم المتحدة، والحبل على الجرار!!

... إن"علم القومية"إذا جاز لنا هذا التعبير، ليس كعمل الحساب والجبر، يقوم على الأرقام، وهذه لا يستطيع أحد أن يلعب بها كما يشاء.. ذلك أن القومية قد أصبحت تئن من تصارع الاجتهادات، بل والشطحات، كشطحات الصوفية وأشد هولا وويلا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت