الصفحة 121 من 907

وجُزيت عن تنقيحك المختار والتَّصْحيحَ* خيرًا من حديث المصطفى

صلى عليه مسلّمًا ربُّ الورى* والآلُ أربابُ المعارف والوفى

وهي خواطر وشجون، جادت بها قريحة المسجون [1] . أحتفظُ بها لنفسي ولمن شاء الله من المبتدئين-أمثالي-لأن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا. ولا سيما والحكماء يقولون: (علم الرجل وَلدُه المُخلَّد) [2] .

وقال ابن الجوزي [3] : (ينبغي للإنسان أن يسعى في تحصيل ذرية تذكر الله تعالى بعده، فيكون الأجر له، أو: يُصَنِّف كتابًا من العلم، فإن تصنيف العالم ولدُهُ المُخَلَّد، يُنْقَلُ من كتابه ما يقتدي الغيرُ به، فذلك الذي لم يمت: قد مات قومٌ وهو في الناس أحياء!) . (وجدير أن يكون فيه ما يستدرك علي) [4] . وسماه شيخنا أبو الفضل (الفوائد النفيسة في أيامي الحبيسة) . أو: (قناص الشوارد الغالية، وإبراز الفوائد والفرائد الحديثية) [5] . أرجو أن يتقبل الله هذا اليسير، ويتم هذا التقصير، ويعظم الأجر والثواب للأسير. (فلينعم الناظر فيه النظر، وليوسع العذر، إن اللبيب من عذر، فلقد سنح بالبال على غاية من الإعجال، كالارتجال أو: قريبًا من الارتجال، في أيام يسيرة ... ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه) [6] .

ولله در الشاطبي حين يقول [7] : (فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علمًا، لا يأتي عليهِ الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كلٌّ يشاهد ذلك لنفسه عيانًا) [8] . وأظن أن الكتاب بين فيه شيخنا ما كان خطأ في بعض الكتب، وجمع ما كان مفترقًا، وكمل ما كان ناقصًا، وفصّل ما كان مجملًا، وهذب ما كان مُسهبًا، ورتب ما كان مخلطًا، وعين ما كان مبهمًا. يكاد أن يجمع ما صنّف فيه العلماء من الأشياء الثمانية، كما جاء في (قواعد التحديث) (ص:36) :

أخَا الذكاء والفطن * وُقِيتَ أَحْداثَ الزَّمَنْ

إن رُمتَ أن تعرف ما* صَنَّفَ فِيه العُلما

فهاكها ثمانيهْ* من نفحة يمانيهْ

وهي فقيد اخترع*وذُو افتراق قد جمع

وناقصٌ قد كمّل* ومجملٌ قد فَصّل

ومسهب قد هذَبا*ومخلَّطٌ قد رَتَّبا

ومبهم قد عينا*وخطأ قد بَيَّنا

خدمة عبدٍ مغترف*عن رسمكم لم ينحرف

قال السيوطي [9] : (حمل العلماء رضي الله عنهم الصدقة الجارية بعد الوقف المنتفع به بعد الموت، وعلى التصنيف والتعليم، وهو في التصنيف أظهر لأنه أطول استمرارًا) . وقال السبكي في خطبة كتابه (جمع الجوامع) : (أما بعد: فإن العالم وإن امتد باعه، واشتد في ميادين الجدال رفاعه واشتد ساعده، حتى خرق به كل سد سُد بابُه، وأحكم امتناعه فنفعه قاصر على مدة حياته ما لم يُصَنِّف كتابًا يخلد بَعْدَهُ، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذه، وإذا وجد الناس فقده أو: يهتدي به فئة مات عنها، وقد

(1) -انظر: (نشر العبير في منظومة قواعد التفسير) (ص:20) دار الكتب العلمية.

(2) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 73) للحافظ ابن رجب.

(3) -انظر: (صيد الخاطر) (ص:20) .

(4) -انظر: (تحرير القواعد 1/ 17) لابن رجب.

(5) -وليس عجبًا أن يسمى الكتاب باسمين ... ، فقديمًا كان المصنفون يفعلون ذلك كثيرًا. انظر: (التجريد) لابن عبد البر (ص:3) .

(6) -انظر: (تحرير القواعد) (1/ 3/4) .

(7) -كما في (الإعتصام) (2/ 322) .

(8) -انظر: (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) للسخاوي (ص:123/ 124/126/ 127 /130/ 132) ، و (جامع بيان العلم) (2/ 821/ رقم:1540) ، و (المجموع) لابن تيمية (10/ 371 /372/ 393) ، و (منهاج السنة) (4/ 543/544) ، و (درء تعارض العقل والنقل) (2/ 102) ، و (سير أعلام النبلاء) (5/ 71/ و20/ 46/و14/ 374/ 376) ، و (مدارج السالكين) (2/ 40) ، و (إعلام الموقعين) (3/ 295) ، و (الكفاية) (ص:79) ، و (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (2/ 260) للخطيب.

(9) -كما في كتابه: (التعريف بآداب التأليف) (ص:18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت